تحديات المواطنة في الحالة السورية

مقالة رأي
الكاتب : علياء عتم

تحديات المواطنة في الحالة السورية

 

 

لا شك أن مفهوم المواطنة يقوم على وضع قانوني وسياسي، يتمتع به الأفراد الذين ينتمون لدولة معينة، كما تعبر عن انتماء الأفراد لمجتمع ما، بما يتضمنه هذا الانتماء من حقوق للأفراد وواجبات ومسؤوليات، كما يقوم على المساواة بين جميع المواطنات والمواطنين في الحقوق والواجبات وأمام القانون وأمام الجهات المسؤولة عن إنفاذه، الأمر الذي يستلزم حيادية الدولة تجاه جميع مواطنيها بصرف النظر عن انتماءاتهم الدنية والإثنية، واستئصال ومنع كافة أوجه التمييز سواء أكان في التشريع أوفي التطبيق.

  • تحديات المواطنة في سوريا كيف كانت في السابق؟ وكيف بدت بعد قيام الثورة السورية؟

– تتحدد المواطنة في المقام الأول بعلاقة الدولة بالمواطن، حيث إن المواطنة تتطلب في أساسها شعوراً لدى الفرد بالمساواة مع غيره من أفراد المجتمع، ونتيجة لذلك الشعور، يتولد الالتزام المتبادل بين المواطن والدولة، وعلى قدر ما تتعامل الدولة مع الفرد كمواطن متساو مع أفراد مجتمعه، وتصون بقوانينها ومؤسساتها حريته وكرامته وملكيته، على قدر ما يتشكل لدى الفرد وعيه بمواطنيته، وشعوره بهويته الوطنية.

ومن خلال السياسات العامة للدولة التي تدعم بناء هذا الوعي، ومن ثم الهوية الوطنية التي يفرزها الوعي المتشكل لدى الفرد، تنشأ علاقة المواطنة الصحية التي يطمئن بها الفرد لحقوقه لدى الدولة، ويتفهم واجباته تجاهها، وهذا الأمر لم يكن موجوداً في المجتمع السوري لا في السابق ولا حتى في الوقت الحالي لأسباب عديدة سوف يتم تسليط الضوء عليها.

– يعاني المجتمع السوري على صعيد آخر من ضعف معززات الوعي الديمقراطي المرتبط بمعدلات مستوى المعيشة وجودة التعليم والصحة والثقافة السياسية التي تعتمد عليها نظريات التحديث الغربية كأساس لنشوء الديمقراطية، هذه المدخلات وغيرها  تحدد سبب ضعف شعور الفرد السوري بهويته الوطنية التي تؤمن له الشعور بالانتماء أو بضرورة الانتماء إلى الجماعة السورية، فالمشكلة لا تكمن في التنوع الهوياتي له، فكل إنسان في أي مكان في العالم يمكن اعتباره مركباً هوياتياً (العرق، القومية، الدين، الطائفة، العقيدة، الطبقة، …) ، وأن انتماءه هذا يصون حريته وكرامته وملكيته.

ومما لا شك فيه أن كل بلد ديمقراطي يعاني من عقبات وتحديات بمختلف أشكالها، لكن ما يسهل من تخطيها، هو كيفية إدارة الحكومات لها، وترجمتها من خلال آليات تطبيقها على أرض الواقع.

وفي المجتمعات العربية عامة، والمجتمع السوري خاصة، ثمة عقبات كثيرة خلّفَها حكم البعث منذ استلامه السلطة، والتي يمكن تشبيهها بالسدود العالية المتينة، التي رسخها نظام البعث في سبيل إحكام قبضته على الحكم.

ولعل من أبرز تلك العقبات:

  • التمييز العنصري بين فئات ومكونات الشعب السوري والتي ترتكز على أساس (العرق – الدين – الطائفة – الجنس – الآراء والمواقف السياسية) وغيره، فوفق ما أشار استطلاع للرأي أجرته منظمة اليوم التالي في سبتمبر/ 2021 بعنوان ” انطباعات السوريين والسوريات حول المواطنة والهوية” فقد “عبرّ ما يقارب 84% من السوريات والسوريين عن تعرضهم/ن لتمييز أو اضطهاد مبنيّ على انتمائهم/ن الهوياتيّ, تحديداً بما يتعلق بالتمييز على أساس الدين والطائفة ، بنسبة وصلت الى 20% ، يتبعه التمييز على أساس الموقف أو التوجه السياسيّ بنسبة 18% ،والتمييز بناء على مكان الولادة أو المسكن الأصليّ بنسبة 14% ، ثم التمييز بناء على الانتماء القومي بنسبة 13% “{1} .

 ونرى من خلال ذلك أن درجة التمييز عالية جداً، وهذا يعتبر من أخطر وأهم العقبات الناتجة عن حكم البعث والمستمرة حتى وقتنا هذا.

ولو تطرقنا الى المكونات السورية التي كانت ولا زالت تعاني من بطش حكم الأسد، من حرمانهم من  حقوقهم المدنية، فقط لأنهم جماعات متنوعة الطوائف والأديان والأعراق، لرأينا أن ظلم وتهميش هذه الفئة لا يقارن بأي ظلم عرفه المجتمع العربي من قبل، حيث أكد استطلاع المذكور أيضاً أن ” السوريون الكرد كانوا الأكثر تعرضاً للاضطهاد أو التمييز المبني على الهوية مقارنة ببقية القوميات المستبيَنة، تحديداً في مؤسسات الدولة الرسمية والقطاع التعليمي ، كالمدارس والمعاهد والجامعات . كما بينت النتائج الموزعة على الخلفيات الدينية والمذهبية للعينة، ارتفاعاً في نسب الأقليات الدينية والطائفية، التي عبرت عن تعرضها لتمييز بناءً على انتمائها الديني مقارنة بالمستبينين من الطائفة السنية, حيث بلغت هذه النسب 30% عند الدروز و26% عند العلويين و 25% عند المسيحيين مقارنة ب 18% عند السنة ” {2}

  • الهجرة الداخلية والخارجية للسوريين والوضع الاقتصادي المتردي في الداخل:
  • كانت المواطنة مغيبة تماماً في زمن حكم البعث الاستبدادي، وذلك نتيجة استخدامه لأساليب ممنهجة، عملت على تفريق السوريين من حيث الاختلاف الدينيّ أو المناطقّي أو العرقيّ أو غيره، ولهذا لم تكن حالة المواطنة موجودة أساساً.
  • أما بعد قيام الثورة وانتقال حراكها من الحالة السلمية الى الحالة العنفية من خلال استخدام النظام المجرم أساليبه القمعية في تشريد وتهجير معظم أبناء المجتمع السوري داخلياً وخارجياً، أصبح هم كل مواطن سوري البحث عن ملاذ آمن يأويه بعيداً عن حالة الخوف والزعر، سواء من القصف المستمر أو من حالات الاختفاء القسري، أو الاعتقال التعسفي الذي طال مئات السوريين في مختلف القرى والمدن. وقد أصبحت معاناة السوريين في الداخل لا تخفى على أحد من فقرِ وسوء في الرعاية الصحية وضعف في التعلم وغيره.
  • والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل السوريون النازحون القاطنون في المخيمات لديهم شعور بالانتماء لسوريا ككل أو حتى لبلداتهم وقراهم، مقارنة مع شعور السوريين المهجرين في دول اللجوء؟

 بديهياً لا توجد مقارنة، فكل شريحة لديها آراء مختلفة حول ذلك، حتى السوريون المقيمون في الداخل يتفاوت شعورهم بالانتماء، فالشخص القاطن في الخيام لا يعنيه الانتماء، بقدر ما يعنيه البحث عن حياة كريمة وعن لقمة عيش لأسرته، بينما الشخص القاطن في منزل ووضعه المعيشي جيد لديه شعور أعلى بالانتماء ربما.

  • كما أن التهجير القسري والخروج الى المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، أفقد السوريين الكثير من حقوقهم المدنية، فغياب المظلة القانونية في شمال غرب سوريا أدى الى ضياع حقوق الأفراد بغض النظر عن آرائهم ومعتقداتهم.
  • ولا ننسى أيضا أن حالة عدم الاستقرار التي تشهدها المناطق المحررة من اقتتال داخلي بين الفصائل، الى عدم وجود سلطة رادعة لأعمال الشغب والعنف، تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على تحقيق أدنى مقومات المواطنة.

  • العادات والتقاليد في المجتمع السوري سابقاً واستمرارها حتى يومنا هذا (عدم المساواة في الحقوق)
  • لا تزال العديد من القرى والمدن تكرس عدداً من العادات والأعراف البالية، فالأدوار النمطية لكلٍّ من الرجل والمرأة تحرم النساءَ من حقهن في تقرير مصيرهن، فالنساء لا يتحكّمن في حيواتهن، ولذلك يُحرمن من الدرجة الأولى من المسؤولية.

وهذا ما نجده في تشريعات دول ما زالت تستند في نصوص قوانينها على مبدأ الولاية الأبوية الذكورية، أو تتسامح مع القتل تحت مسمى “جرائم الشرف” .

  • الحوكمة الغائبة أو المنسية في مؤسسات المجتمع المدني:

هناك ارتباط وثيق بين المواطنة والحوكمة من الناحية العملية الواقعية؛ إذ كيف لنا أن نتخيل سوريا الجديدة التي تسودها سيادة القانون والديمقراطية، دون وجود مؤسسات وتجمعات تعمل بشتى المجالات، وهي لا تطبق مبدأ الحوكمة الرشيدة. إن غياب تطبيق الحوكمة في المؤسسات المحلية والتجمعات والاتحادات القائمة،  يفقدها مساحة كبيرة من دورها الجوهري في المجتمع، بدءاً من غياب المساءلة والشفافية، وصولاً إلى انعدام المشاركة الفعّالة للأفراد وتهربهم من المسؤولية المترتبة على عاتقهم.  لذلك لا بد أن يكون هناك خطط فعّالة حقيقية تطبّق فيها مبادئ الحوكمة وتعمل على نشر هذه الثقافة.

لقد كان الفساد الإداري في مؤسسات الدولة واضحاً وضوح الشمس، من غياب الرقابة والمساءلة، إلى غياب فهم الأدوار وتداخلها.  لذلك، لا بد من محاربة هذه الظواهر والعمل على منع وجودها في مؤسساتنا المستقبلية.

ختاماً نقول إن المواطنة الفاعلة، لا تتحقق إلا في دولة ديمقراطية ترعى حقوق وحريات أفراد المجتمع السوري، بحيادية ومساواة تامة أياً كانت انتماءاتهم الدينية أو العرقية أو المذهبية، فالمواطنة هي البوصلة التي سترشدنا في رحلة الوصول إلى ” سوريا العظيمة الخالية من بشار الأسد كما قالت الراحلة ميّ سكاف.

  • المراجع:

{1} منظمة اليوم التالي – تاريخ النشر: تشرين الثاني 2021 – استطلاع رأي بعنوان” انطباعات السوريين والسوريات حول المواطنة والهوية” – رقم الصفحة 2

{2} رابط البحث : final (AR) المواطنة RGB (tda-sy.org)

{3} اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة وعرضتها للتوقيع والتصديق والانضمام بقرارها 34 / 180 المؤرخ في 18 كانون الأول/ ديسمبر 1979

منظمة مارس، هي منظمة حيادية توفر مساحة حرة للتعبير عن الأفكار والآراء ،نود التأكيد بأن المعلومات والآراء والأفكار الواردة في هذه المقالة تعبر عن رأي قائلها، ولا تعكس بالضرورة مواقف أو سياسات المنظمة ومنصاتها.

المواطنة كأساس لبناء دولة مدنية في سوريا

مقالة رأي
الكاتب : مصعب الجبان

المواطنة كأساس لبناء دولة مدنية في سوريا

في ظل التحولات العميقة التي تشهدها سوريا، يبقى مفهوم المواطنة أحد المفاتيح الأساسية لبناء دولة مدنية قادرة على استعادة الاستقرار وتحقيق العدالة الاجتماعية. فالمواطنة ليست مجرد علاقة قانونية بين الفرد والدولة، بل هي حالة اجتماعية وثقافية تعكس انتماء الفرد إلى المجتمع. تشمل الحقوق والواجبات دون تمييز أو إقصاء، بناء  الانتماءات العرقية أو الدينية و الاجتماعية، فضلاً عن الشعور بالانتماء والولاء للدولة.

كانت سوريا موطناً لمجموعات إثنية ودينية متنوعة، من عرب وأكراد وتركمان، ومسلمين ومسيحيين، وغيرهم. ولكن منذ الاستقلال، تعرضت فكرة المواطنة إلى التهميش لصالح الهويات الفرعية والطائفية، مما أدى إلى تصدع النسيج الاجتماعي واستغلال هذا التنوع لأغراض سياسية.

ولعل الاستبداد السياسي هو من أبرز العوائق التي تحول دون تحقيق المواطنة الحقيقية في سوريا. فالنظام السياسي في سوريا والذي استمر لعقود، اعتمد على سياسات القمع والتمييز، ما أدى إلى تفاقم الانقسامات المجتمعية. ومن ثم، أصبحت الطائفية وسيلة للسيطرة السياسية والاجتماعية، الأمر الذي نتج عنه تهميش حقوق الأفراد كمواطنين، وتحويلهم إلى “اتباع” ضمن بنى طائفية مغلقة. إن الانتقال من “الطائفية السياسية” إلى “المواطنة” ضرورة ملحة لتحقيق السلام والاستقرار في سوريا. فالمواطنة الحقيقية تستند إلى مبادئ العدالة والمساواة أمام القانون، حيث تُعامل جميع الفئات بموجب قانون واحد يضمن حقوقهم ويحدد واجباتهم.

تعد الدولة المدنية أحد النماذج التي تستند إلى فكرة “المواطنة” كأساس لنظام الحكم. والدولة المدنية ليست “دولة علمانية” بالمعنى الذي يلغي الدين من الحياة العامة، بل هي دولة تحترم التعددية الدينية والثقافية، فتقوم الدولة على حكم القانون، وليس حكم الأشخاص، أي أن جميع الأفراد، بمن فيهم من  في السلطة، يخضعون للقانون.

و”المجتمع المدني” مصطلح شاع استعماله في الأدبيات الغربية مع بدايات عصر الأنوار، وذلك للتميز بين المؤسسات الحكومية والمؤسسات الأهلية، بيد أن غياب المصطلح من الأدبيات التراثية وارتباطه بالأدبيات الغربية لا يعني بأي حال غياب الظاهرة عن المجتمعات العربية والإسلامية، بل يمكننا القول: إن المؤسسات التي حكمت المجتمعات العربية والإسلامية تاريخياً، كانت في غالبها مؤسسات مجتمع مدني لا مؤسسات دولة، فالمؤسسات التعليمية والنقابات الحرفية والمؤسسات التجارية، ارتبطت من حيث التأسيس والتمويل بالمجتمع المدني، واعتمدت على مؤسسة الوقف. والتشريعات العامة بما في ذلك نظام الضرائب أو زكاة المال مثلاً، ارتبطت بالشريعة الإسلامية، وانحصرت مهام الدولة عبر العصور بمسائل العلاقات الخارجية وقضايا الأمن العام وحماية الحدود.

لقد أدى دخول مؤسسات الدولة الحديثة والقانون المركزي إلى المجتمعات الإسلامية بعد نهاية الدولة العثمانية وخلال فترة الاستعمار الأوروبي إلى إحداث تغييرات جذرية في بنية السلطة، ففي سوريا مثلا، أدى تبني نموذج الدولة السوفيتية ذات الحزب الواحد والسلطة المركزية عقب الاستقلال، إلى القضاء على استقلالية مؤسسات المجتمع المدني السوري.

وفي السياق السوري وما يمر به من أزمات عميقة تبرز ضرورة تحقيق العدالة الانتقالية كخطوة أساسية. ولا يمكن أن يتم ذلك دون معالجة آثار الانتهاكات التي وقعت خلال السنوات الماضية. إن تحقيق العدالة والمساءلة يعدان جزءا لا يتجزأ من بناء الثقة بين المواطنين والدولة، ويؤسسان لمرحلة جديدة من المواطنة التي تستند إلى الاحترام المتبادل والمساواة.

كما يجب أن يلعب التعليم دوره الحيوي في بناء وتعزيز مفهوم المواطنة. فالمناهج التعليمية يجب أن تعزز قيم المواطنة، وتغرس في نفوس الطلاب مفاهيم المساواة والعدالة. مما يساهم في تشكيل الوعي المجتمعي. ومن هذا المنطلق لابد من إصلاح النظام التعليمي في سوريا ليكون أكثر شمولاً وتنوعاً، بحيث يتيح لكل فرد الفرصة للتعرف على تاريخ وثقافة الآخرين، ويدرك أهمية المواطنة كعامل موحد للمجتمع.

في سياق ذلك يعتبر المجتمع المدني الجسر الذي يربط بين المواطنين والدولة، ويسهم في تعزيز الحوار والتعاون بين الفئات المختلفة. والمجتمع المدني يمكنه أن يلعب دوراً في تقديم الخدمات الاجتماعية، وفي الوقت نفسه ممارسة دور رقابي على أداء الحكومة. ولابد أن يأخذ المجتمع المدني دوراً فعالاً في بناء مؤسسات قوية تقوم على الشفافية والمساءلة، وهو ما يعد جزءًا أساسيًا من تحقيق المواطنة الفعالة.

“إن المواطنة ليست مجرد شعار يُرفع، بل هي منظومة من القيم والممارسات التي يجب أن تنعكس في السياسات والمؤسسات والعلاقات الاجتماعية”

والطريق إلى المواطنة في سوريا نعترضه عقبات كثيرة، فالاحتقان الاجتماعي، التمييز العرقي والطائفي، والفساد والمحسوبية، وغياب الأمن والاستقرار، والهجرة والنزوح. كلها أسباب تعيق تحقيق المواطنة. ولا مفر من العمل على معالجة هذه القضايا من خلال سياسات شاملة، تعزز التفاهم والتسامح بين مختلف مكونات المجتمع السوري.

من المهم أن ندرك أن الإصلاح في أي من المسارات التربوية والثقافية والقانونية والإدارية، يتطلب قيام قوة اجتماعية تتبنى أطروحات الإصلاح، وتسعى جاهدة إلى تحقيقه، كما يتطلب توفير مساحة كافية للحركة ضمن كل من المسارات الإصلاحية المشار إليها آنفاً. وبعبارة أخرى، ثمة حاجة إلى تمكين مريدي الإصلاح من إحداث تغييرات في مجالات التربية، والتعليم والإدارة والاقتصاد. والتمكين هنا يعني نقل النفوذ السياسي إلى القوة الاجتماعية التي تمتلك إرادة الإصلاح كما تملك المصلحة في تحقيقه.

إن بناء دولة مدنية قائمة على المواطنة في سوريا يتطلب جهدا جماعيا يشمل إصلاح المؤسسات، وتعزيز التعليم، وتحقيق العدالة الانتقالية، وتفعيل دور المجتمع المدني. وإن تحقيق المواطنة يتطلب جهودًا مشتركة من جميع الفاعلين في المجتمع، سواء كانوا حكومات أو منظمات مجتمع مدني أو مواطنين عاديين. لا يمكن تحقيق هذه الأهداف إلا من خلال إرادة سياسية صادقة، ورؤية مجتمعية تتجاوز المصالح الفئوية إلى مصالح وطنية جامعة. وإذا ما تحقق هذا الهدف، فإن سوريا ستكون قادرة على تجاوز أزماتها، والانطلاق نحو مستقبل يسوده السلام والاستقرار والازدهار. إن المواطنة ليست مجرد مفهوم، بل هي ضرورة حتمية لبناء مستقبل أفضل لسوريا وشعبها العظيم.

منظمة مارس، هي منظمة حيادية توفر مساحة حرة للتعبير عن الأفكار والآراء ،نود التأكيد بأن المعلومات والآراء والأفكار الواردة في هذه المقالة تعبر عن رأي قائلها، ولا تعكس بالضرورة مواقف أو سياسات المنظمة ومنصاتها.

الروابط الوطنية ودورها في تعزيز حقوق الإنسان

مقالة رأي
الكاتب : موفق أحمد العلي

الروابط الوطنية ودورها في تعزيز حقوق الإنسان

  1. الوطنية والقومية:

ثمّة لَبْس، في الفكر السياسي الحديث، عند استخدام مصطلحَي القومية والوطنية؛ فهذان المصطلحان في استخدامهما في العالم العربي المعاصر، مستوردان كما هما، في استخدامهما في الثقافة الغربية أصلاً.

وعلى الرغم من أن القومية والوطنية مصطلحان متقاربان، ويعبران عن الولاء المشترك، فإن كليهما ذو محتوى غير مستقر، لذا يجب التعامل معهما بشيء من الحذر؛ إذ تنطوي معانيهما في اللغات المختلفة، على ارتباطات وإيحاءات، منها العالية ومنها دون ذلك.. فقد نتفق على أن الوطنية هدف جيد، وشعور نبيل. ولكن هذا الاتفاق يضعف عند الحديث عن القومية، وخاصة عندنا معشر العرب، إذ إن الفكر القومي العربي عندنا يقف في شبه مواجهة مع الدين.

وإذا كانت القومية قد قامت على روابط ومقومات ومحددات واضحة ومعروفة: (كاللغة أو العرق أو الأرض أو الدين أو المشيئة المشتركة) فإن الروابط والمحددات والمقومات الوطنية ليست بتلك الدقة، إذ ربما يكفي فيها: تقبل الآخر، والعيش المشترك، والأرض، والاحتكام إلى الدساتير والقوانين الناظمة المتفق عليها. وهنا يبدو الاتفاق بينهما في (الإرادة المشتركة)

وإن بدايات ظهور هذه الأنواع من الولاء، في المنطقة العربية، كانت مطبوعة بطابع الوطنية وليس القومية، كما أنها كانت قد نشأت متأثرة بسابقاتها في أوروبا: (فرنسا وبريطانيا وربما إيطاليا) حيث تم تعريف الوطن والمواطنة، على أنهما الولاء الذي يكون فيه المواطن مديناً لوطنه. وعادة ما يتم تسديد هذا الولاء إلى الحكومة في الوقت المناسب[1]·

  1. ماذا تعني حقوق الإنسان :

حقوق الإنسان هي المبادئ الأخلاقية، أو المعايير الاجتماعية، التي تصف نموذجاً للسلوك البشري، الذي يُفهم منه عموما بأنه مجموعة من الحقوق الأساسية، التي لا يجوز المساس بها، وهي مستحقة وأصيلة لكل شخص، لمجرد كونه إنساناً. في البقعة التي يعيش فيها (الوطن) أو في العالم (المواطنة العالمية)

وهذه الحقوق ملازمة للإنسان، بصرف النظر عن هويته، أو وطنه، أو لغته، أو ديانته، أو أصله العرقي، أو أي وضع آخر. وتعد حماية هذه الحقوق مصانة ومحترمة، في إطار القوانين المحلية، وحتى الدولية.

ومن أهم نواتج حقوق الإنسان السلام المجتمعيفكلما عزز المجتمع حقوق الإنسان لشعبه، وحماها ووفَى بها، زادت فرصه في الحد من العنف، وفي حل النزاعات سلميا، أي في استتباب الأمن والسلام.

  1. المساواة في الإسلام :

ولا بأس هنا من الإشارة السريعة إلى أسبقية الإسلام وأوليته ، في إعلان حق المساواة، قولا وفعلاً:

  1. فالناس في الإسلام سواسية أمام الشريعة، حيث جاء في الحديث الشريف” كلكم لآدم وآدم من تراب. لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى”
  2. ولا تمايز بين الأفراد في تطبيقها عليهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”.
  3. وقد طبق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذلك بعبارته الشهيرة: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟.)

وهذه ليست أول دعوة وأول تطبيق لحقوق الإنسان في العالم فقط، ولا أول مواطنة في تاريخ البشرية فحسب، ولكنها أول دعوة إلى المواطنة العالمية، وإن اختلفت المصطلحات بحسب العصور التاريخية.

  1. قانونية حقوق الإنسان:

إن هذه الحقوق، الإنسانية والوطنية، هي حقوق تنص عليها الدساتير والقوانين والمواثيق والمعاهدات، فلا يجوز أن تُنتزع أو يتم التجاوز عليها، إلا من خلال إجراءات قانونية، ومحاكمات رسمية أصولية، تضمن عدم ضياع تلك الحقوق، وتقر بأنّ لجميع أفراد الأسرة البشرية، قيمةً وكرامةً أصيلة فيهم.

وبإقرار هذه الحريات فإن المرء يستطيع أن يتمتع بالأمن والأمان، ويصبح قادراً على اتخاذ القرارات التي تنظم حياته الشخصية، في ظل وطن حر وعادل.

  • فالاعتراف بالكرامة المتأصلة لدى الأسرة البشرية، وبحقوقها المتساوية الثابتة، يعـد ركيزة أساسية للحرية والعدل، وتحقيق السلام في الوطن، ومن ثم في العالم.
  • وازدراء حقوق الإنسان، أو إغفالها، أو التغاضي عنها، أمر يفضي إلى كوارث وطنية، وأعمال همجية ضد الإنسانية، تؤدي إلى الإيذاء، وتخلف جروحا وشروخا عميقة في الضمير الإنساني.
  • ولهذا فإنه من الضروري والواجب أن تتولى القوانين الوطنية والتشريعات الدولية ، حماية حقوق الإنسان؛ لكيلا يضطر المرء آخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم، ولكي لا يشهد العالم والإنسانية مزيدا من الكوارث ضد حقوق الإنسان والضمير الإنساني جميعا، وانتشاراً للعنف والتطرف، المغلفين بغلاف الحق والعدل، والمعززين بحجة حماية حقوق الإنسان.
  1. المواطنة وحقوق الإنسان:

يلتقي مفهوم المواطنة مع مفهوم حقوق الإنسان، ويتداخل معه في كل شأن من شؤون الحياة، بحيث يمكن القول: إنهما وجهان لعملة واحدة. ويمكن أن نكتشف هذا التداخل بوضوح، عندما نرجع إلى تاريخ ظهورهما والاهتمام بهما.

فالاهتمام بقضية حقوق الإنسان هو اهتمام بأن يكون للفرد هوية في مجتمعه، أي تأكيد على مواطنة الفرد، وانتمائه إلى كيان اجتماعي أكبر منه. وكذلك فإن الاهتمام بعضوية الفرد في المجتمع “كمواطن” هو اهتمام بحقوق هذا المواطن، بوصفه إنساناً بشراً، وهو اهتمام بما يطلب منه من واجبات عليه أن يؤديها للوطن، مقابل الحقوق التي ينالها، في إطار الوطن.

ويحدث الالتقاء بين المواطنة وحقوق الإنسان في كل معنى من معاني المواطنة:

1) فإذا فهمنا معنى المواطنة فهماً قانونياً، فإننا نفهمها علي أنها عضوية قانونية داخل الدولة، يكتسب من خلالها الفرد وضعاً قانونياً حقوقيا، يرتبط بحمل الجنسية، ووثائق الهوية القانونية، وغيرهما. وإذا فهمت المواطنة بهذا المعني القانوني؛ فإنها ترتبط بالحقوق، فلا مكانة قانونية إلا وراءها حقوق مكتسبة، أقلها الحصول على الوثائق المؤكدة للهوية القانونية.

2) وإذا ما اتسع فهم معنى المواطنة ليشمل العضوية في المجتمع، وما يرتبط بذلك من العمل والمشاركة السياسية، والمشاركة في الفرص المختلفة، التي يوفرها المجتمع، تأتي قضية الحقوق في الصدارة، حيث تعرف عضوية المجتمع عبر الاستحقاقات التي تخول للمواطنين أن يتمتعوا بها، وعبر الواجبات التي توجب عليهم أن يقوموا بها.

3) وإذا ما فُهمت المواطنة على أنها القاعدة التي تتأسس عليها الدولة الوطنية، التي تشكل الوعاء الأكبر للانتماء، فإن الدولة الوطنية لا تستطيع أن تستمر في الوجود إلا إذا رعت الحقوق الإنسانية لمواطنيها.

4) وأخيراً.. فإذا فُهمت المواطنة على إنها طاقة انتماء، تجعل الفرد مشاركاً نشطاً في حياة مجتمعه، فإن طاقة الانتماء هذه لا تؤتي ثمارها المرجوة، إلا إذا رافقتها حقوق مدنية للمواطنين؛ فالشخص الذي تسلب حقوقه، يتحول إلى شخص فاقد للانتماء، غير قادر على أن يشحذ همته من أجل الوطن. وبهذه الطريقة من الفهم نجد أن كلّاً من المفهومين يؤدي إلى الآخر، فلا مواطنة بغير حقوق، ولا حقوق بغير مواطنة.

5) ونستطيع أن نتتبع العلاقة بين هذين المفهومين، عبر مستوى آخر، هو المستوى التاريخي، فالمفهومان يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالفكر الليبرالي، الذي نادت به ثورات القرن الثامن عشر (الثورة الفرنسية عام 1789م، والثورة الأمريكية عام 1765م) إذ نادت بالمساواة بين البشر، وأعلنت أن البشر قد خلقوا وولدوا متساوين، ولهم الحقوق نفسها. ودعت هذه الثورات، إلى حرية المواطنين، وإلى أنهم يتمتعون بحقوق متساوية، في دولة وطنية. وعلى هذه الأسس جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي صدر عن الأمم المتحدة عام 1948م، وأكد على مبادئ العدالة والمساواة. وهكذا استطاع الفكر الليبرالي الحر أن يبلور علاقة متينة، بين المواطنة وحقوق الإنسان.

6) ثم إن التوسع في مفهوم حقوق الإنسان، والنظر إليه على أنه حق عام، اقتضى أن يشمل الأفراد في كل أنحاء العالم. وقد أدى هذا الفكر إلى التوسع في مفهوم المواطنة أيضاً، بحيث بدأ الحديث الآن عن المواطنة العالمية، التي تشير في أحد معانيها إلى التمتع بالمواطنة، ومن ثم الحقوق، في أي مكان في العالم.

وهذا أحد الأسس التي تحمي حقوق المهاجرين واللاجئين، الذين يشكلون أقليات في بعض البلدان. حيث بدأت تظهر العديد من الدعوات، التي تناقش هذه القضية الشائكة، وتعالج إشكاليات العلاقة بين المواطنة وبين حقوق الإنسان.

  1. الوطنية و تعزيز حقوق الإنسان:

يكمن دور الروابط الوطنية في تعزيز حقوق الإنسان، في أن الرابطة الوطنية تعني تمكين الدولة، والمؤسسات الوطنية التابعة لها، من تنفيذ التزاماتها في مجال حقوق الإنسان، وتعزيز سيادة القانون، والمساعدة في بناء ثقافة حقوق الإنسان، داخل الوطن باديَ الرأي على الأقل؛ وذلك لتحقيق السلام والأمن المستدامين؛ وتمكين المواطنين من تأكيد حقوقهم الإنسانية الفردية في نطاق الوطن، دون أن تنظر إلى أهداف عالمية. ولكن تطور الأحداث في العالم، لحسن الحظ، اتجه بها نحو العالمية.

ويتضمن تعزيز حقوق الإنسان الدعوة إلى اعتماد الالتزام بمدونات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية. ويعد دمج حقوق الإنسان في القانون الوطني المحلي هدفًا مشروعًا، للجمعيات الخيرية، التي تعمل على تعزيز حقوق الإنسان.

وتعزيز حقوق الإنسان هو هدف إنساني، يجب أن يستفيد منه الأشخاص المتضررون، أو المعرضون للضرر، وذلك من خلال حماية الأفراد والمجموعات، المعرضين لخطر انتهاك حقوق الإنسان أكثر من غيرهم.

وأهم ما يجب القيام به في هذا المجال هو: أولا: عدم التمييز، وثانياً: الإدماج المجتمعي للفئات المعرضة للخطر، لضمان المساواة في وصولهم إلى حقوقهم، في المناطق الجغرافية المحددة، أي في الوطن المشترك.

  1. الدساتير والمواثيق:

ولعل السؤال الأكثر بروزاً هنا هو: إلى أي مدى تتوافق دساتير الدول الوطنية، مع المواثيق الدولية المنظمة لحقوق الإنسان؟. حيث نصت دساتير بعض الدول الوطنية على مبادئ، لحماية حقوق الإنسان وخصوصيته، وعلى مبادئ منظمة لهذه الحقوق، مثل الحرية والعدل والمساواة. انطلاقا من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

وهذه قضية مهمة في مسألة المواطنة وحقوق الإنسان ، فحقوق المواطنين يجب أن يتم تنظيمها وتأكيدها من خلال الدساتير والقوانين والمواثيق والمعاهدات؛ حيث يجب أن تتوافق تلك الدساتير مع المتطلبات التي تفرضها المواطنة العالمية، وتتكشف من خلال التوافق، بين القوانين والنصوص الدستورية الوطنية المحلية، وبين المواثيق والمعاهدات الإنسانية الدولية.

وتكتمل هذه الرؤية من خلال ما يتم داخل المجتمع، من إجراءات وتوافقات، لحماية حقوق الإنسان، أو السعي نحو تأكيد إنسانية الإنسان، بصرف النظر عن انتمائه الديني أو العرقي أو اللغوي أو الإقليمي.

  1. وثيقة الأخوَّة الإنسانية:

ومن أبرز ما ظهر حديثا في هذا المجال: وثيقة تسمى: (وثيقة الأخوة الإنسانية) وقد صدرت في أبو ظبي، في الرابع من شباط/ فبراير عام 2019 واتفق عليها الأزهر الشريف والكنيسة المصرية، وهي وثيقة تعبر عن الإرادة المدنية للمؤسسات الدينية الكبرى (الإسلام والمسيحية) وتعبر عن رغبة هذه المؤسسات في أن تتجاوز الأطر الدينية المحدودة، وتنطلق إلى آفاق العالمية، لتؤكد إنسانية الإنسان أينما كان. ولا مراء في أن هذه الإرادة هي إحدى الوسائل المهمة، التي يمكن أن تقف حاجزا صلباً في وجه العنف، وسدا منيعاً في مواجهة التطرف.

وهي وثيقة مطولة. أقتطف مما جاء فيها ما يلي:

  • (إن مفهوم المواطنة يقوم على المساواة في الواجبات والحقوق[2]، التي ينعم الجميع في ظلالها بالعدل؛ لذا بجب العمل على ترسيخ مفهوم المواطنة الكاملة في مجتمعاتنا، والتخلي عن الاستخدام الإقصائي لمصطلح الأقليات، الذي يحمل في طياته الإحساس بالعزلة والدونية، ويمهد الطريق لبذور الفتن والشقاق، ويصادر استحقاقات وحقوق بعض المواطنين الدينية والمدنية، ويؤدي الى ممارسة التمييز ضدهم..)
  • (الاعتراف بحق المرأة في التعليم والعمل، وممارسة حقوقها السياسية، هو ضرورة ملحة. وكذلك وجوب تحريرها من الضغوط التاريخية والاجتماعية، المنافية لثوابت إنسانيتها وكرامتها. ويجب حمايتها من الاستغلال الجنسي، ومن معاملتها كسلعة او أداة للتمتع والتربح؛ لذا يجب وقف كل الممارسات اللاإنسانية، والعادات المهينة لكرامة المرأة، وتعديل التشريعات التي تحول دون حصول النساء على حقوقهن كاملة.)
  • وأهم ما أشارت إليه الوثيقة هو: (حقوق الاطفال الأساسية، في التنشئة الاسرية والتغذية والتعليم والرعاية) و (حقوق المسنين والضعفاء، وذوي الاحتياجات الخاصة، والمستضعفين) ووصفتها بأنها (ضرورة دينية واجتماعية، يجب العمل على توفيرها وحمايتها بتشريعات حازمة، وبتطبيق المواثيق الدولية الخاصة بهذه الحالات.)

وهذه الأمور الإيجابية وطنيا وإنسانياً، تحسب لصالح هذه الوثيقة.

  1. التناول القانوني:

لا شك في أن التناول القانوني لقضية المواطنة، وتعزيزها لحقوق الإنسان، يثير إشكالية مهمة، تتمثل في التوازن القانوني بين (الحقوق والواجبات) وبعبارة أخرى بين الاستحقاقات والمسؤوليات.

فقد تناول الدارسون الأبعاد القانونية للمواطنة، موضحين طبيعة العلاقة بين المواطنة وبين الحقوق، على اعتبار أن المواطنة بالأساس هي حق من الحقوق أيضاً. كما تناولت بعض الدراسات، التي تدور حول الوطنية والمواطنة، العلاقة بين ممارسة الحق وبين تحمل المسئولية. وهذه العلاقة هي الركن الأساسي في قضية حقوق الإنسان، سواء في الوطن الضيق أو في العالم الواسع؛ فالحق لا يستقيم إلا في ضوء الواجب، فإذا ضاع الحق فإن القانون يرده إلى أصحابه، وإذا اختل الواجب فإن القانون يلزم المكلفين به والمسؤولين عنه بالقيام بواجباتهم، تحت طائلة المسؤولية.

وهذه القضية تثير قضية أخرى، تتعلق بمدى الانضباط في أداء الواجب مقابل الحصول على الحقوق. فإن هذا الانضباط يجب ألا يرد إلى الانضباط القانوني فحسب، وإنما يجب أن ينبع من داخل الأفراد، ومن ضمائرهم الذاتية. فالوازع الداخلي أقوى وأكثر ديمومة من الوازع الخارجي؛ لذا يجب أن يكون هو المحرك الرئيسي في أداء الواجب.

  1. دور التربية والتعليم:

وتأتي قضية التربية والتعليم على رأس القضايا المرتبطة بالمواطنة، وبالحقوق المدنية، فمن خلال عمليات التربية والتعليم، يتم غرس ثقافة المواطنة، التي تؤدي بدورها إلى ازدهار ثقافة حقوق الإنسان.

وفي هذا الإطار، يجب ألا يتجه التعليم نحو التكوين المعرفي والمهاري فحسب، وإنما يجب أن يتجه نحو بناء الإنسان، وعلى تكوينه عقلياً ونفسياً ووجدانياً، ومن ثم فإن التعليم بدأ يتجه في كثير من البلدان – جنباً إلى جنب مع الأسرة ومؤسسات الاتصال الجماهيري- نحو تكوين منظومة القيم الاجتماعية، وعلى رأسها قيم المواطنة، التي تتمحور حول قيمة إيمان المواطن بمبدأ الاختلاف، الذي – إذا ما توافر- فإنه يؤدي إلى تكوين قيم الاحترام والتسامح والثقة والتعاطف. وبالتالي تكون المواطنة الحقيقية هي التي تعزز حقوق الإنسان.

والحق أن دعم هذا النوع من التعليم، العقلي والنفسي والوجداني، كفيل بأن يخلق ثقافة محملة بالروح المدنية، تلك الروح التي يتأسس عليها الاجتماع البشري أصلاً.[3]

 ويشهد مفهوم حقوق الإنسان يوماً بعد يوم اتساعاً، يساعد على ذلك تنامي الخطاب، الإقليمي والعالمي ، حول المواطنة وحقوق الإنسان. وقد أدى ذلك إلى أن يتجاوز مفهوم حقوق الإنسان الحقوق المادية الملموسة فحسب، كحق القرابة والجوار والعمل، إلى الحقوق المعنوية المحسوسة، كالحق في الكرامة والمشاركة والعيش الآمن.

  1. الحقوق المعنوية:

مر بنا آنفا أن الحقوق نوعان مادية ومعنوية. وقد أشار بعض الباحثين في هذا الشأن، إلى الحقوق المعنوية، ومنها:

1) الحق في احترام الخصوصية الاجتماعية والثقافية. وهو حق أصيل يرتبط باستقلال الإنسان، وحريته في اختيار أسلوب حياته، التي يجب ألا يتدخل فيها الآخرون، بأي شكل من الأشكال.

وتنص معظم الدساتير الوطنية، ووثائق الحقوق المدنية، على هذا الحق. ولاشك في أن التنبه إلى هذا، في مجتمع كمجتمعنا، يعدُّ أمراً بالغ الأهمية، حيث تسمح الثقافة، السائدة بين الناس، بالتدخل في الخصوصيات، في غياب الحماية لها؛ مما يحرم الإنسان من هذا الحق الأصيل. ومثل هذه الثقافة تجب محاربتها؛ لكي تحل محلها ثقافة احترام الخصوصية، وعدم انتهاكها بأي شكل من الأشكال، من خلال التربية النفسية، وخلق الدافع الداخلي والحافز الوجداني، حتى في غياب القانون وقوة الحماية.

2) الحق في مواجهة العنف والفكر المتطرف. والحقيقة أن هذه الإشارة تستحق التأمل والمساندة؛ لأن المجتمعات الحديثة لا تعاني فقط من فقدان الخصوصية، وإنما تعاني أيضاً من انتهاك أمنها واستقرارها عبر التطرف، وما يترتب عليه من عنف وإرهاب. فالحق في مكافحة التطرف هو في الوقت نفسه حق في مواجهة الإرهاب. وهما من حقوق المواطن في مواجهة التطرف والإرهاب. ولاشك في أن الوعي بهذا الحق، وانتشاره عبر الضمير الجمعي للأمة، يحشد المجتمع ضد التطرف والإرهاب، ومن ثم يحميه من مظاهر عدم الاستقرار وعدم الأمن.

  1. وأخـيــراً :

لابد من الإشارة إلى أن الجهود الوطنية المحلية، التي تبذل لحماية حقوق المواطنة، أدت إلى تشكيل المجالس الوطنية والقومية، وحتى الدولية، لحقوق الإنسان، كنموذج لحماية حقوق المواطن، على اعتبار أنه إنسان مواطن أو مواطن إنسان.

والاهتمام بمثل هذه التنظيمات المحلية، التي تحمي الحقوق المدنية، فيه إشارة إلى أن الأمر لا يتعلق فقط بوجود نصوص دستورية وطنية وقانونية محلية، ولا بوجود وثائق دولية وإعلانات عالمية، ولكنه يتعلق أولاً وأخيراً بالممارسات العملية، التي من دونها لا تكون هناك حقوق، ولا تكون هناك مواطنة. وهذا لا يتأتى إلا من خلال التربية.

وفي الختام: لا بد من تيسير نشر مثل هذه الأمور، التي تهتم بهذه الأفكار، لإثراء الأفكار، التي ترقى بالخطاب الثقافي والأكاديمي والسياسي، حول المواطنة، والحقوق المدنية، وحقوق الإنسان؛ لتنتشر مثل هذه المصطلحات الجيوسياسية، وتصبح من بدهيات الثقافة اليومية، لدى شتى المستويات الثقافية، بين أبناء الوطن الواحد.

وعندها تتجذر الروابط الوطنية، ويكون لها الدور الفعال في تعزيز حقوق الإنسان، وطنيا وعالمياً.

منظمة مارس، هي منظمة حيادية توفر مساحة حرة للتعبير عن الأفكار والآراء ،نود التأكيد بأن المعلومات والآراء والأفكار الواردة في هذه المقالة تعبر عن رأي قائلها، ولا تعكس بالضرورة مواقف أو سياسات المنظمة ومنصاتها.

تدريب عملي في صيانة الشواحن الإلكترونية ضمن برنامج الطاقة البديلة النظيفة في معهد مارس

ضمن تدريب الطاقة البديلة النظيفة في معهد مارس للعلوم الصناعية والتقنية، يعمل الطلاب على استكمال تعليم صيانة الأعطال الخاصة بالشواحن الالكترونية بشكل عملي، بعدما تم دراسة المخططات الخاصة بهذه الشواحن بشكل نظري ليكونوا قادرين على تحليل الأعطال وصيانتها.

ملتقى بناء السلام في عفرين: تعزيز التنسيق والتماسك المجتمعي

في خطوة نحو تعزيز التنسيق والتماسك المجتمعي ، عقدت مارس ملتقى بناء السلام في عفرين بمشاركة واسعة من المجتمع المحلي.
يأتي هذا الملتقى ضمن انشطة برنامج شركاء التغيير المجتمعي، بهدف زيادة التنسيق بين مكونات المجتمع وتوضيح الادوار والمسؤوليات فيما بينها.
خلال الملتقى تم استعراض أهم نتائج توصيات جلسات النقاش المركزة التي نظمها نشطاء مارس حول المشاركة الديموقراطية وبناء السلام والتنسيق المجتمعي، وتكريم الشخصيات التي ساهمت في جهود بناء السلام المحلي في عفرين.

انطلاق ورشة عمل فن الكاريكاتير: إبداع يعكس الواقع

انطلاق اليوم الأول لورشة عمل فن الكاريكاتير ضمن مشروع تكافؤ! 🎉 شهدنا تفاعلًا رائعًا مع المشاركين والمشاركات الذين استكشفوا تقنيات الرسم والتعبير الفكاهي، مما يعزز قدرتهم على إيصال رسائلهم السياسية والاجتماعية والثقافية بطريقة مبتكرة. ✍️

 

بدأ نشطاء وناشطات مشروع شركاء التغيير المجتمعي بتنفيذ جلسات الحوار المركزة ضمن عدة مواقع في الداخل السوري

بدأ نشطاء وناشطات مشروع شركاء التغيير المجتمعي بتنفيذ جلسات الحوار المركزة ضمن عدة مواقع في الداخل السوري.

بمشاركة مجتمعية واسعة ومتنوعة، نظمت مارس عدة جلسات في ريف حلب الشمالي، كانت النقاشات غنية وخرج المشاركين بتوصيات من شأنها تعزيز دور المجتمع المحلي في بناء السلام و اتخاذ مواقف ايجابية تجاه الديموقراطية والمشاركة المجتمعية.

اختتام برنامج تدريبي شامل للنشطاء تحت مشروع شركاء التغيير المجتمعي

ضمن مشروع شركاء التغيير المجتمعي، اختتمت مارس البرنامج التدريبي الكامل والمخصص للنشطاء والناشطات والذي امتد لمدة 30 ساعة تدريبية في مواضيع متعلقة بالمشاركة الديموقراطية والمساءلة -المواطنة الرقمية والتثقيف الإعلامي – القيادة ومهارات التواصل.
بعد ان أتم المتدربون البرنامج يستعدون الان للبدء بتنفيذ وتيسير جلسات حوار مركزة وجلسات توعوية بشكل فيزيائي ضمن مواقع المشروع كافة.

“ملتقى ‘واثقون’ الثاني يجمع الإلهام والإبداع في شمال غرب سوريا”

أقام برنامج “واثقون من قدرتنا على التغيير”بالتعاون مع منظمة مارس ملتقى واثقون الثاني وذلك في منتصف تموز الجاري في شمال غرب سوريا .
شكّل الملتقى مناسبة استثنائية للإلهام، وشهد عروضاً للفائزين في مسابقات “واثقون” بطورها الأول والثاني، وتسليم شهادات التكريم والجوائز للرابحين والرابحات، بالإضافة إلى معرض فني يبرز المواهب المبدعة، إلى جانب فقرة شعرية تم إلقاء القصائد الرابحة فيها من قبل الشعراء والشاعرات المشاركين في المسابقات.
تميزت الفعالية أيضاً بنقاش مثري بين الفرق والأفراد المشاركين حول تعزيز المشاركة المجتمعية والدور الحيوي للشباب في بناء المجتمع، وتعزيز ثقافة الحوار والديمقراطية.

 

طلاب معهد مارس يبدأون تنفيذ الأنشطة العملية في برنامج صيانة الجوال

بدأ الطلاب في معهد مارس للعلوم الصناعية والتقنية بتنفيذ الانشطة العملية لبرنامج صيانة الجوال وذلك بعد ان اتموا الجانب النظري للبرنامج

جانب من انشطة التطبيق العملي وتدريب الطلاب على تركيب جكات الشحن والتعرف على دارات المايك والجرس