سوريا ما بعد الأسد: كيف نصنع ديمقراطية لا تكرّر أخطاء الماضي؟

سوريا ما بعد الأسد: كيف نصنع ديمقراطية لا تكرّر أخطاء الماضي؟

محمد جلو

المركز السابع

 

 

“ماذا تعني لك الديمقراطية؟” سأل أحد الحاضرين شاباً خلال أحد النقاشات التي حضرتها في شمال غرب سوريا.

بعد برهة من الصمت واستجماع ما أمكن من الشجاعة نطق الشاب بإجابة صادمة وبسيطة ومؤلمة بصدقها: “يعني نحكي وما حدا يعتقلنا”.

فبعد سنوات من القبضة الحديدية ها هي سوريا تتنفس أخيراً هواء الحرية، لكن الحرية وحدها لا تكفي إذ إن سقوط الأنظمة الاستبدادية ليس نهاية المطاف بل بداية الطريق الأصعب ألا وهو كيف نبني نظاماً يحترم الإنسان ولا يسقط في فخ الديكتاتورية من جديد؟

لذا فإننا اليوم أمام فرصة تاريخية وربما تكون الأخيرة لتحويل دماء الضحايا وأحلام الثوار إلى دولة عادلة.

لكن الانتقال من الدول الديكتاتورية إلى دولة الحرية والديمقراطية عبر الثورات يحتاج إلى أكثر من الشعارات، يحتاج إلى وعي جماعي بأن العدو الحقيقي ليس أشخاصاً بل منظومة استبداد وفساد قد تتجدد بأسماء وجوه جديدة.

وهنا حيث تتدافع الأصوات بين من يريد الانتقام ومن يريد النسيان، بين من يتشبث بالهوية الضيقة ومن يحلم بمواطنة متساوية، كيف نضمن أن تكون سوريا الجديدة وطناً للجميع لا لغالبية تكرس استبداد الأقلية؟

 

ما بعد السقوط: اختبارات الثورة والمجتمع

الثورة لم تكن نهاية الطريق بل بدايته الشائكة فحين خرج السوريون يهتفون للحرية لم يكن لديهم خارطة طريق بل أمل جماعي بالخلاص فقط، إلا أن هذا الأمل كان كافياً لبداية شيء عظيم.

لكن بعد انكسار حلم الدولة الديمقراطية اكتشفنا أن السقوط لا يعني نهاية الاستبداد بل بداية تحدٍّ أكبر وهو كيف نمنع ولادته من جديد؟

ففي أغلب المناطق التي خرجت مبكراً عن سيطرة النظام قبل سقوطه لم يظهر فيها دائماً نموذج ديمقراطي حقيقي حيث ولدت سلطات أمر واقع فرضت وصايتها على المجتمع وقمعت الأصوات المخالفة أحياناً باسم “الثورة” وأحياناً باسم “الدين” أو “الأمن”.

وعليه كان الدرس القاسي أن الاستبداد ليس اسماً بل سلوك، وقد يولد من داخلنا إذا لم نواجهه بوعي نقدي ومؤسساتي يضمن المحاسبة وصيانة الحقوق.

فالمجالس المحلية وعلى الرغم من كونها محاولة نبيلة لتنظيم حياة الناس سقط كثير منها بسبب غياب الثقافة المدنية وضغط السلاح أو بسبب بنائها ومسارها القائمين على المحسوبيات والقرابات.

لذا لم يكن يكفينا سقوط النظام بل كان علينا أن نسقط “ثقافة النظام” المزروعة في تفاصيل حياتنا.

إن من أكثر التحديات التي ستواجه سوريا الجديدة هي كيفية تعاملنا مع من نختلف معهم؟

لا نتحدث عن الخصوم السياسيين فحسب بل عن الجيران، زملاء الدراسة، وحتى أفراد العائلة الذين انقسموا سياسياً أو طائفياً أو اختاروا الصمت.

فهل نمتلك الشجاعة لفتح هذه الجروح؟ وهل نعرف الفرق بين العدالة والانتقام؟

ذلك أن الديمقراطية لا تبدأ من صندوق الاقتراع بل من اللحظة التي تقرر فيها أن من يخالفك لا يستحق الكراهية بل الاحترام والدفاع عن حقه في إبداء الرأي رغم مخالفتك لرأيه، إذ لم نتعايش أو نُدرَّب على هذا السلوك بعد.

ففي زمن الثورة كثُر التخوين وفي زمن السلم وبناء الدولة قد تكثر التعميمات.

لذلك لا حل سوى إفشاء وتوسيع نطاق ثقافة الاعتراف المتبادل التي ترى في الاختلاف ثراءً لا تهديداً.

 

الوعي والعدالة: الطريق نحو الديمقراطية الممكنة

صناعة الديمقراطية ليست مجرد كتابة دستور بل تغيير جذري في طريقة التفكير والعلاقات والتربية.

حيث تبرز ثقافة الديمقراطية حين نرفض فكرة “الزعيم المنقذ” ونطالب بمؤسسات تحاسِب وتراقب، حين نعلّم أبناءنا أن يسألوا لا أن يطيعوا دون نقاش، تبرز عند إشراك النساء والشباب في القرار لا أن نجعلهم ديكوراً زائفاً نجمّل بهم المشهد، وعند الإيمان بأن الإعلام الحر ليس خطراً بل ضمانة ضد عودة القمع.

ولنكن واقعيين لن يُنجز هذا في سنة أو اثنتين لكن كل شيء يبدأ من التفاصيل الصغيرة، يبدأ من صف دراسي يناقش لا يحفظ ومن مسلسل يعالج لا يكرس القوالب ومن عائلة لا تسخر من المختلف بل تُنصت له.

نحن بحاجة إلى ثورة وعي وإلا سنعيد إنتاج المأساة بأسماء مختلفة.

ومما لا شك فيه أنه لا يمكن بناء دولة جديدة فوق ركام الظلم دون إحقاق الحق وهنا يمكن التنويه إلى أن العدالة الانتقالية ليست انتقاماً بل وسيلة للإنصاف، لاستعادة الثقة ولمنع التكرار.

وبدونها لا يمكن لدولة خارجة من أتون الاستبداد أو الصراع الداخلي أو الحرب الأهلية أن تخطو باتجاه الاستقرار والتنمية والسمو.

ففي جنوب أفريقيا مثّل إنشاء لجنة الحقيقة والمصالحة بعد انتهاء الفصل العنصري نموذجاً عالمياً يُثبت أن العدالة والضمير يمكنان أن يسيرا جنباً إلى جنب لتهدئة الجراح وطي صفحة الماضي.

ودون هذا الصدق مع الذات ستنهار أي محاولة للمصالحة الحقيقية.

 

الإعلام والتعليم: معركة الوعي بين التحرر والتضليل

في بلد عاش على إعلام يُقدّس الحاكم ويشيطن كل نقد نحتاج إلى ثورة إعلامية موازية للثورة السياسية حيث كانت سوريا في عام 2019 ضمن أسوأ عشر دول في العالم لحريات الصحافة حسب تصنيف مراسلون بلا حدود ولا تزال الأوضاع تزداد سوءاً وهذا يوضح أن الإعلام لم يتغير بعد وهو ما يجعل التجرد منه ضرورة في رحلتنا.

لذا نريد إعلاماً يبحث عن الحقيقة لا يبيع سرديات جاهزة، نريد ثقافة تُحرر لا تُخدر ونريد فناً يُربي الوعي لا يُستخدم كواجهة سلطة.

ذلك أن الديمقراطية تُروى بالكلمة وتُرعى بالفن وتُحصن بالثقافة.

ولا ديمقراطية دون مقاومةٍ جذرية لخطاب الكراهية أياً كان مصدره فالكلمة التي تحرض على الإقصاء تقود في النهاية إلى القمع والعنف.

وبطبيعة الحال لا يمكن أن نبني ديمقراطية بلا جيل وعيه مدرّج من الصغر.

في سوريا ظلت المناهج تُظهر الولاء للنظام أكثر من تنمية التفكير الحر والمواطنة.

والآن في مرحلتنا الانتقالية صار واجباً تعديلها لتزرع قيم التسامح والتفكير النقدي وحقوق الإنسان بدلاً من الانصهار في روايات الماضي فقط وإن أردنا تصليب الديمقراطية وتعميق جذورها فعلينا أن نزرعها في كتب الأطفال وأساليب التدريس وعلاقات المعلم والطالب.

فمن التعليم تبدأ كل الثورات الحقيقية أو تنتهي.

 

هل نبني سلطة… أم نبني دولة؟

حين يسقط نظامٌ استبدادي يتسابق الجميع على السؤال “من سيحكم؟”..

لكن السؤال الأعمق والذي يغيب غالباً هو كيف سنحكم؟

وهنا يكمن الفرق بين أن نبني سلطة أم دولة.

في التجربة السورية ظهرت سلطات حملت شعارات الثورة لكنها مارست الإقصاء بمنطق القوة لا بمنطق القانون.

وهنا يكمن الخطر، خطر أن نعيد إنتاج الاستبداد باسم الثورة من جديد وهو ما حدث في العديد من الثورات، من روسيا إلى إيران إلى أمريكا اللاتينية..

وحيث أن الدولة السليمة بمفهومها الحديث تقوم على مؤسسات تحترم القانون وتحاسب الحاكم قبل المواطن.

لذا فإن الديمقراطية لا تقتصر على اختيار حاكماً جيداً بل التأسيس لنظام يمنع تحول الحاكم إلى ديكتاتور مهما كانت نياته.

 

لا أحد يملك وصفة جاهزة لسوريا ديمقراطية لكن ما نعرفه جيداً هو ما لا نريده أن يتكرر، لا نريد سجانين جدد ولا نسخ ملونة من الاستبداد القديم، لاسيما وأننا الجيل الذي رأى الثورة بأعينه وذاق مرارة الفشل وصدمة الخذلان والجيل الذي امتلك أيضاً فرصة أخيرة لكتابة فصل جديد بشرط أن نبدأ من الآن بصناعة وعي مختلف.

وعي يقوم على أن الديمقراطية ليست عدالة انتقائية بل عدالة للجميع وأن حقوق الإنسان ليست مِنّة من أحد بل حق يولد مع كل طفل يولد على هذه الأرض وأن المعارضة التي تشبه الاستبداد لا تختلف عنه في شيء بل هي وجه ثان للنظام الذي تعارضه.

الديمقراطية لا تُمنح كبطاقة هوية بل تُزرع كأشجار الزيتون… ببطء وبجهد وبكثير من الألم.

وإن لم نغلق باب الاستبداد بالكامل فإنه سيعود… بربطة عنق وربما بكلام أجمل من الديكتاتور السابق.

ولهذا لا نريد فقط إسقاط الاستبداد بل إسقاط قابليتنا له ووأد الرحم الذي قد يحتضنه وينجبه لاحقاً.

دور السلم الأهلي في بناء سوريا الجديدة

دور السلم الأهلي في بناء سوريا الجديدة

مصطفى منلا عمر

المركز السادس

 

المقدمة

في عام 2011 خرج السوريين مظاهرات في مختلف المحافظات السورية مطالبين بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية حيث خرجوا بطريقة سلمية لكن سرعان ما حول النظام هذه المظاهرات الى حرب مسلحة بسبب قيامه بالتعامل مع المظاهرات بالعنف والقتل والاعتقال  وعلى مدار سنوات حكم ال الأسد الأب والابن عملا على تفرقة الشعب السوري الغني بتنوعه ومكوناته المختلفة ونشر حالة المناطقية والطائفية وغياب العدالة الاجتماعية في التوظيف او توزيع موارد الدولة، وبعد أكثر من عقد من قيام الثورة استطاع الثور الاطاحة بالنظام السوري الذي أمعن الجرائم بالشعب السوري تاركة لهم تركة كبيرة من الفساد والدمار ليس دمار البنية التحتية فقط بل دمر الشعب السوري بكافة مكوناته حيث حل الفقر والبطالة  وغياب القانون وغياب العدالة واليوم من أخطر العقبات التي تواجه السوريين هو الانقسام المجتمعي وعدم التعايش السلمي سواء بين العائدين إلى مدنهم وشعب المدينة نفسه أو بين سكان المناطق المحررة قديما والتي تحررت حديثا حيث يعتبر هذا التحدي أكثر التحديات خطورة   لما له من أثر خطيرة مثل ما حدث في الثورة من مجازر واعتقال ودمار وقتل.

السلم الأهلي  

السلم الأهلي ليس ترف اجتماعي او حالة رفاهية بل هو حاجة ملحة لتحقيق الاستقرار المستدام والسلام  في سوريا بعد ١٤ عاما من الحرب ويعرف السلم الأهلي بأنه حالة اجتماعية متكاملة قائمة على نبذ العنف وقبول التنوع داخل المجتمع الواحد وتعزيز مبدأ المواطنة.                                                                                         والسلم الأهلي ينشر حالة من التعايش السلمي بين مختلف مكونات المجتمع مع المحافظة على العدالة والمساواة والعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان بما يسمح بحرية عيش الأفراد بأمان وقيام مؤسسات الدولة بمهامها وهي خدمة المجتمع ورتق النسيج السوري الذي مزفته الحرب والديكتاتورية

    كيف يمكن تعزيز السلم الأهلي

إذا أردنا ان نبني سوريا الجديدة فعلينا ان نبدأ اولا بتطبيق السلم الأهلي لانه يبنى الدولة والمجتمع على حد سواء من خلال إعادة بناء البنية التحتية وتعزيز العدالة الانتقالية وإصلاح المؤسسات الحكومية وتوجيهها إلى خدمة المجتمع ومعالجة الأسباب التي أدت لاندلاع الحرب واتاحة مساحة لحربة الرأي ومسؤولية تطبيق السلم الأهلي لا تقتصر على الحكومة فقط بل يمتد ليشمل المجتمع والأفراد والنشاطين المجتمعية

دور الفرد في تطبيق السلم الأهلي

إن التغيير يبدأ من الإنسان نفسه ثم تنتقل أثار هذا التغيير إلى الآخرين والمواطن السوري يلعب دورا كبيرا في تطبيق السلم الأهلي من خلال نشر قيم التسامح والتعايش السلمي واحترام حقوق الآخرين وعدم التعدي على الغير وعدم التمييز واللجوء للقانون عند حدوث مشاكل وإذا كان الفرد يشغل دور موظف حكومي أو تاجر أو مثقف فيكون أكثر قدرة على نشر وتطبيق السلم الأهلي فمحور السلم الأهلي هو الأخلاق واحترام حقوق الإنسان.

 

دور المجتمع في تطبيق السلم الأهلي 

يقع على عاتق المجتمع مسؤولية كبيرة في تعزيز روابط التضامن والتعايش بين مكوناته المختلف ويُترجم ذلك من خلال ودعم الحكومة في تطبيق السلم الأهلي ودعم مؤسساتها والاهتمام بضحايا الحرب والعمل على إزالة آثارها كما يجب على الوجهاء ورجال الدين والمعلمين والمثقفين أن يكونوا قدوة في نشر ثقافة السلم الأهلي وأن يدعوا للحوار بدل القطيعة وللأمل بدل الإحباط، فالمجتمع المتماسك قادر على تجاوز الأزمات والتصدي لأي محاولات لزرع الفتنة أو استغلال الانقسامات.

دور الحكومة في تطبيق السلم الأهلي 

تلعب الحكومة دورا محوريا ي حماية السلم الأهلي من خلال إرساء دولة القانون وسيادته وتطبيقه على كل فئات المجتمع وأصحاب السلطة وايضا يكمن دور الحكومة في توجيه المؤسسات في خدمة المجتمع وتقديم كل التسهيلات للمواطنين دون تميز عرقي او ديني او مناطقي وضمان حقوق جميع المواطنين بالتساوي كما يجب على الحكومة أن تطبق العدالة الانتقالية وتحاسب مرتكبي الجرائم الذين امعنوا في قتل المدنيين ومن مسؤوليات الحكومة معالجة آثار الحرب وتأمين الخدمات الأساسية بشكل عادل ويُطلب من الدولة أيضا إقامة نشاطات اقتصادية واجتماعية في مختلف الجغرافيا السورية لتعزيز الترابط المجتمعي واطلاق حوارات وطنية شاملة وترك مساحة لتعبير عن الراي وهدم الفجوة بين الحكومة والمجتمع ووضع سياسات تنموية متوازنة تعالج الفقر والبطالة لان الفقر هو اساس وسبب كل الجرائم على وجه الأرض ومن المهم أن تتعامل الحكومة مع الإعلام والقوى المدنية باعتبارهم شركاء في صناعة السلام لا خصوما سياسيين.

دور الإعلاميين والناشطين في تطبيق  السلم الأهلي 

يؤدي الناشطون والإعلاميون دورا بالغ الأهمية في صناعة الوعي المجتمعي وتوجيه الرأي العام نحو ثقافة السلم الأهلي إذ تقع على عاتقهم مسؤولية نشر الحقائق دون كذب وتضليل وتصحيح أي خطأ يصدر من الأفراد أو المجتمع وأن يكونوا صلة الوصل بين الحكومة والمجتمع  وأن يعملوا على محاربة الشائعات وخطاب الكراهية وتسليط الضوء على المبادرات المجتمعية الإيجابية.

الخاتمة 

السلم الأهلي ليس غاية بل هو وسيلة للعيش بأمان وعدم تكرار ماسات الماضي وما حدث من جرائم وانتهاكات كان سببها الطائفية والخاسر الأكبر فيها هو المجتمع السوري الذي عانى كل أنواع المعاناة، وهناك دول طبقت السلم الأهلي وحققت فائدة كبيرة ومن هذه الدول راوندا وجنوب أفريقيا حيث أصبحتا من الدول المتقدمة بعد أن عانتا من ويلات الحروب والاقتتال الطائفي والتمييز.                                                                                        والسلم الأهلي ينطلق ليبني دولة يسودها الاحترام قائمة على المسؤولية وحماية و ازدهار مواطنيها، إننا في سوريا الحبيبة متنوعين عرقيا ودينيا وقوميا وهذا التنوع الغني اذا استخدمها في الطريق الصحيح سينتهي بنا المطاف بدولة ترعى حقوقنا ومجتمع متماسك واقتصاد قوي وابتكارات وريادة تضع سوريا في مصاف الدول المتقدمة واذا استخدمنا هذا التنوع في الطريق الخطأ سينتهي بنا المطاف إلى حروب أهلية واقتتال وعدم استقرار والفقر وحروب ولو نظرنا إلى فترة سقوط النظام لقلنا سبب التقدم السريع وهو السلام  وخطابات السلام والتطمينات التي وجهها قادة المعركة إذ إن في السلام يكسب الإنسان أضعافه ما يكسبه في الحرب وعاشت سوريا لكل السوريين.

 

الهوية السورية… من الانقسام إلى الانسجام

الهوية السورية… من الانقسام إلى الانسجام

دانة جليلاتي

المركز الخامس

 

“هويتي هي ما يجعلني فريداً، لكنها أيضاً ما يضعني في مواجهة الآخر” هذا ما عبّر عنه أمين معلوف في كتابه الهويات القاتلة متحدثاً عن تلك الانتماءات التي قد تبدو أحياناً مصدر اعتزاز في المجتمعات المتنوعة وتتحول عند منعطفات التاريخ الحرجة إلى أدوات قتل.

لم تكن الهوية يوماً أصل المشكلة الأوحد في سورية، فمنذ اندلاع الثورة في العام 2011، ظهرت على السطح أسئلة ظلت غير مطروحة لعقود طويلة: من نحن؟ لمن ننتمي؟ ما الذي يربط العلوي بالدرزي؟ والكردي بالعربي؟ والمسيحي بالمسلم؟ هذا الصراع الهوياتي لم يكن طارئاً بل كان كامناً بانتظار لحظة مؤاتية ليظهر، والمفارقة ليست في وجود ذلك التعدد بل في تحوله إلى أداة صراع، فهل نحن أمام “هويات قاتلة” بالفعل؟ وهل ثمة مخرج في حال أعدنا صياغة مفهومنا للانتماء بالمشاركة مع الآخر لا على حسابه؟ 

الأزمة السياسية ليست وحدها المشكلة

لم تكن الأزمة السورية أزمة سياسية فقط، بل أزمة هوية استمرت لفترة طويلة، وتم فيها تهميش البعد الثقافي التاريخي لهوية السوريين لصالح سردية رسمية اختزلت الوطن في شعارات صماء. مع تفجر الصراع تكشّف ما كان كامناً من وجود علوية سياسية، كردية مقصية، وتهميش مناطقي وغير ذلك، وبطبيعة الحال فإن تحول الهوية من مركب متعدد إلى انتماء واحد يجعل الإنسان يستميت دفاعاً عنها وكأنها تهديد وجودي.  

برزت الهويات الفرعية كوسيلة للدفاع عن النفس. يلجأ الأفراد عادة في حالات ضعف الدولة أو حكم الاستبداد إلى هوياتهم الطائفية كمأوى للحماية ويعتبرونها حصناً في مواجهة المجهول 1 وتبدأ الجماعات بإعادة تعريف نفسها خارج الإطار الوطني. 

لطالما استخدمت الهوية في سورية كقناع إيديولوجي، وكانت السلطة تمارس استبدادها من وراء مزاعم الانتماء للقومية العربية بهدف كبت الانتماءات القومية في سورية2 واستخدمت القومية العربية كإيديولوجيا سياسية تجاهلت التعدد الإثني والثقافي وكانت سبباً في تهميش الكرد والسريان والأرمن والآشوريين وغيرهم. وبعد العام 2011، تفككت الهوية أكثر فأكثر حين برزت في الشمال الشرقي هوية كردية تسعى إلى حكم محلي، ونشأت في إدلب هويات دينية ملتزمة، في حين فُرضت في مناطق النظام هوية أمنية لا تحتمل الاختلاف. 

هوية نخشاها وهوية يُخشى منها

لا يمكن الحديث عن الهوية السورية دون التوقّف عند العلاقة الملتبسة لدى السوريين بالانتماء والتي يحكمها القلق والريبة أكثر مما تحكمها الثقة أو الانسجام. وقد تكون واحدة من أخطر نتائج الاستبداد الطويل التي عشناها كسوريين خوفنا من الهوية. لقد نشأت أجيال في سورية لا تنظر إلى الهوية على أنها دليل على الغنى والتنوع بل أداة للانقسام والتمييز، والمؤشر الأوضح كان إبان الثورة السورية حين انتشرت عبارة “طائفتي سوري” والتي بدت أنها محاولة لتجاوز الأسئلة العميقة حول الهوية من خلال مزج البعد الطائفي مع الوطني. المجتمع السوري ككيان مقموع الهوية، لم يُسمح له بتجربة التعبير الحرّ عن ذاته3 في حين أن الهويات ليست عوائق، بل مفاتيح لفهم أعمق للدولة والمجتمع.

كي لا تبدو الصورة قاتمة تماماً، من المهم أن نذكر أيضاً أن البنية الاجتماعية السورية كانت عبر التاريخ تحمل قابلية للانفتاح والتعايش ولم يكن التنوع في حد ذاته عاملاً سلبياً يؤثر في التعايش السلمي بين مختلف المكونات 4، لكن ما نحتاجه هو مشروع شامل يعمل على موالفة هذا التعدد ضمن هوية لا تلغي الهويات الفرعية بل تؤطرها. 

هوية وطنية جامعة، ملامح الحل: 

لن يكون الحل في إلغاء التعدد، بل في بناء دولة تنظمه من خلال آليات على رأسها أن يكون الدستور الجديد معترفاً بكل المكونات الثقافية اللغوية الإثنية ومانحاً إياها مساحة قانونية للتعبير، فضلاً عن إصلاح تربوي شامل يعيد تعريف “الانتماء” ويؤكد على أنه مسؤولية جماعية تتجاوز الدين والطائفة والانتماء السياسي. إن إيجاد سردية مشتركة مبينة على المواطنة والمساواة والاعتراف الشجاع بالماضي هي أيضاً سبيل للوصول إلى الهوية المأمولة. صحيح أن لا أحد يختار هويته، لكن كل أحد مسؤول عن كيف يدافع عنها5، والدفاع عن الهوية السورية يجب أن يكون مشروعاً وطنياً لا إقصاء فيه ولا تمجيد لطرف على حساب الأطراف الأخرى.  

الهوية مسار متغير 

عبر قراءة التجربة السورية، يتبين أن “الهويات القاتلة” التي تحدث عنها معلوف ليست نظرية مجردة، بل واقع عاشه السوريون طوال العقد الماضي، وقد آن الأوان لكي ننظر إلى سورية على أنها رواية عظيمة تحتاج إلى إعادة صياغة وتنقيح. رواية تكتب بلغة تعترف بالجميع وتصوغ وطناً يتسع لكل السوريين. كما أن علينا الامتناع عن التعامل مع الهوية كشيء جوهري ولدنا به، بل نبدأ بالنظر إليها كمجال متغير وقابل لإعادة الصياغة، واعتماد هذا التصور الديناميكي للهوية يستوجب بناء سياسات عامة وممارسات اجتماعية تكرس الحوار والشراكة. 

نحن السوريون، لا ننكر تعددنا لكن يجب أن نرفض اختزال وطننا. قد تكون الهويات “هويات منقذة” إن اخترنا أن نبنيها لا أن نحتمي بها ونتمترس خلفها. لم يكن أمين معلوف في كتابه “الهويات القاتلة” يتحدث فقط عن لبنان، بل عن أي بلد تتعدد في الانتماءات دون أن تُمد بينها الجسور. سورية التي نحلم بها لن تبنى فوق أنقاض هويات الآخرين، نحن بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد يصالحنا مع أنفسنا أولاً فضلاً عن مصالحتنا مع الآخرين تهيئة لاندراج الجميع في الحالة الوطنية السورية وهو ليس بالأمر الصعب فيما لو توافرت النوايا الحسنة 6

في سورية الجديدة التي نحلم بها، نأمل أن تكون الهويات نوافذاً لا جدراناً. 

——————————————————————-ا

  1. ريمون معلولي- “عنما تصبح الطائفة أداة للصراع ليس مجرد هوية ثقافية”- مركز حرمون للدراسات
  2.  حمدان العكلة- قراءة في كتاب المعرفة والأيديولوجيا، نيسان 2022
  3. خلود الزغير- كتاب سورية: الدولة والهوية-2020
  4. أحمد قربي ونورس العبد الله- إضاءات على إدارة التنوع في سورية- في لزوم الوعي الوطني مع المواطنة- مركز الحوار السوري
  5. أمين معلوف، من كتاب In the name of Identity 
  6. أحمد مظهر سعدو- “في حاجة سورية إلى عقد اجتماعي جديد”-. العربي الجديد

 

المرأة السورية والمشاركة السياسية

” المرأة السورية والمشاركة السياسية “

تالا جعفور

المركز الخامس

 

      مقالة حول المشاركة السياسة للمرأة في سوريا بعد سقوط الأسد

  

 

هل تساءلتَ قبلًا عن أهمية دور المرأة السورية في المشاركة السياسية خلال الثورية السورية وبعدَ سقوط الأسد؟

المرأة جزء مهم من المجتمع فهي الأم والأخت والزوجة 

هي القائدة والصانعة والمؤثرة.

هي إنسان وكل الناس متساوون بالحقوق ، ويمثل حق المشاركة في الحياة السياسية والعامة عنصرًا مُهمًا في تمكين الأفراد والجماعات، وهو أساسي للقضاء على التهميش والتمييز. ولا تنفصل حقوق المشاركة عن حقوق الإنسان الأخرى مثل الحق في التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، والحق في حرية الرأي والتعبير والحق في التعليم والحق في الحصول على المعلومات.

ولكن هنالك العديد من المجتمعات التي تحجم من دور المرأة وتقصيها عن المشاركة في العديد من المجالات التي هي من حقها كالمشاركة السياسية، 

وحرمانها من الوصول إلى الموارد…

والمشاركة السياسية هي حق للجميع رجالًا ونساءً لا يقل أحدهما عن الآخر .

وأما بالنسبة للحالة السورية فهي تَمُر في مرحلة مخاض كبير وترقب لولادة مرحلة مقبلة على الصَعِيدِ السياسي ولا بد أن يمتلك الناس مفاتيح المعرفة وفهم السياق السياسي كي لا يَنقادوا انقيَادًا أَعمًى فالمشاركة السياسية هي تلك المجموعة من الممارسات التي يقوم بها المواطنون, أو بها يضغطون بغية الاشتراك في صنع وتنفيذ ومراقبة تنفيذ، وتقييم القرار السياسي اِشتراكًا يخلو من الضغط الذي قد تمارسه السلطة عليهم. وهذا يعني أنه لكل مواطن/ة حقا ودورا يمارسه في عملية صنع القرارات ومراقبة تنفيذها وتقويمها بعد صدورها.

فهي إذن مساهمة الفرد في أحد الأنشطة السياسية التي تؤثر في عملية صنع القرار و اتخاذه، والتي تشمل التعبير عن رأى في قضية عامة، والعضوية الحزبية، والانضمام لمؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني أو التعاون معها، والترشيح في الانتخابات، وتولى أي من المناصب التنفيذية والتشريعية.

إن ثقافة المشاركة السياسة، ثقافة مهمة في تحديد علاقة الحكم مع المجتمع،

وهذا حق للنساء والرجال ولكن المرأة المشاركة في السياسة أو الراغبة في ذلك تعاني من عديد من المشاكل التي تقف حاجزًا وتشكل عائقًا أمام مشاركتها أو رغبتها في الأمر.

 ولو تطرقنا للحديث عن التحديات التي تواجهها:

هناك العديد من المجتمعات كما تحدثنا سابقًا ممن يرفضون عمل المرأة في المجال السياسي على وجه الخصوص لعدة أسباب منها السيطرة الذكورية والصورة النمطية عن المرأة التي تحجم عملها وتقتصر دورها في بعض الأعمال كالتعليم والطب ، بالإضافة إلى الخوف من نظرة المجتمع السيئة والتي تصور بها كل من تخولها نفسها المشاركة في الحياة السياسية والخوض في غمارِهَا.

ونتيجة لذلك يتم ممارسة العديد من الانتهاكات بحق النساء كالعنف السياسي ضد المرأة والذي يعني أي ممارسات وإساءة أو محاولة إساءة للمرأة المشاركة في السياسية والخَائِضَة فِي غِمَارِهَا أو الراغبة بالأمر.

والعنف ضد المرأة في السياسة هو عنف جسدي أو جنسي أو نفسي. بطبيعة الحال يتعرض كل من الرجال والنساء الى العنف في السياسة، لكن العنف ضد النساء في السياسة هو عنف قائم على الجنس حيث يستهدفهن بسبب جنسهن وأمثلة العنف هي أعمال قائمة على الجنس مثل التعليقات الجنسية أو التحرش والعنف الجنسي

 إن العنف ضد النساء في السياسة يشكل انتهاكا لحقوق الإنسان، يعرقل مشاركتها ، ويقوض إمكانياتها.

وقد نشرت لاهاي – الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان التقرير السنوي الثالث عشر عن الانتهاكات بحقِّ الإناث في سوريا وضح أن  29064 أنثى قتلن في سوريا منذ آذار/مارس 2011، بينهن 117 تحت التعذيب، و11268 معتقلة أو مختفية قسراً، إضافة إلى 11553 حالة عنف جنسي.

ومن أنواع العنف والانتهاكات:

  • العنف المجتمعي:

كَالعنف الذي ترتكبه أسرة المرأة لمنعها من المشاركة السياسية

  • العنف الجسدي:

كالضرب ، والاعتقال ، والاختطاف

  • العنف الجنسي:

كالتحرش ، والاغتصاب

  • العنف السيبراني/الرقمي:

هو العنف المرتكب عن طريق الوَسائل الرقمية والإلكترونية

  • العنف الاقتصادي:

حرمان المرأة من الوصول للموارد

  • العنف النفسي:

كالتهديد ، والتنمر ، والضغط ، والتهديد

  • العنف التَشريعي:

كسن تشريعات غير منصفة للنساء ولا تمنحهن حقوقهن المشروعة

 

كيف نضمن أن لا تُقصى المرأة مرة أخرى في سوريا الجديدة؟

هناك الكثير من الحلول ومنها:

  • تمكين النساء سياسيًا عن طريق التدريب والتأهيل.
  • جلسات توعية سياسية تستهدف فئات المجتمع.
  • تسليط الضوء على هذه القضية.
  • إجراء مراكز إحصاء وتوثيق للنساء المتعرِضات للعنف.
  • عدم الخَوف .

 

  • حملات الحَشد والمُناصرة
  • المطالبة الدائمة لتمكين المرأة في كل المجالات وخصوصا في المجالات التي كانت محرمة على المرأة كالمجال السياسي 

المطالبة بمقاعد سياسية وحكومية للمرأة في المجتمع.

  • إقامة الدورات التدريبية التي ترسخ مفهوم النوى الاجتماعية وأهمية المرأة في تولي مناصب قيادية.
  • الاطلاع على تجارب دول رائدة في مجال مشاركة المرأة سياسياً والاستفادة منها.
  • السعي لتمكين المرأة اجتماعيًا واقتصاديًا.
  • أن تربي أبناءها على قناعة أن المرأة يمكنها أن تكون في مجال السياسة.

 

ورسالتي لكل النساء في العالم عامة وفي سوريا خاصة

“صوتك حق”.. لا أحد يستطيع منعك عن مشاركتك والتعبير عن رأيك.

“صوتك حق” ..قولي لا حين يتوجب قول ..لا ونعم، حين ترغبين.

آمني بذاتك وقدسيها تقديسًا يجعلها تكسر قيود الجهل والضعف 

وافردي جناحيكِ نحو الشمس ..، حلقي حيث الأحلام والأمنيات…

وكوني امرأة قوية لم تخلق لوضع مساحيق التجميل ولتكون جسدًا وجهًا وحُسنًا بل لتكوني أيضًا قائدة ..قادرة ..ثائرة 

محاربة عن نفسك وساعية لتكوني أثرًا طيبًا…

لا تحجمي نفسك…ولا تسمحي لأحد بتصنيفك وتحجيمك.

وآمني بقوة أنكِ قادرة وأن صوتك حق.

 

ندوق الدنيا والسينما: مرآة العدالة الانتقالية والذاكرة السورية

ندوق الدنيا والسينما: مرآة العدالة الانتقالية والذاكرة السورية

محمد طلال اسعيد

المركز الرابع

 

صندوق الدنيا هو ذلك الصندوق الخشبي البسيط الذي جال بين أزقة الأحياء في المشرق العربي في بدايات القرن العشرين و كان يعرف اصطلاحا بآلة “البيانولا” ليعرض صورًا متحركة تحكي للناس حكايات عن الأبطال المظلومين والوحوش، وهو أول أشكال السينما الشعبية، لكنه أيضًا استعارة عظيمة لفهم كيف يمكن للسينما أن تكون أداة لرواية الظلم واستعادة الكرامة وتحريك الضمير الجمعي. فكما كان الأطفال يحدقون في ثقب صندوق الدنيا باهتمام لرؤية حكاية مدهشة، نحن اليوم نحدق في شاشة السينما بحثًا عن معنى عدالة انتقالية وشيء من الحقيقة المفقودة.

يمثل صندوق الدنيا المسرح البصري الشعبي الذي يعرض مشاهد تُروى عبر الراوي. يشتغل الصندوق على الذاكرة الجمعية، ينقل القصص من جيل إلى جيل، يحافظ على الحكايات الشفوية ويربط الفرد بجماعة سردية.

السينما مثل صندوق الدنيا، ليست فقط وسيلة للترفيه، بل هي أداة لكشف الحقائق الغائبة ووسيلة لتوثيق الانتهاكات ومرآة تعكس التناقضات. في تجارب العدالة الانتقالية، لعبت السينما دورًا محوريًا في التوثيق، فأفلام وثائقية أعادت سرد جرائم كادت تُنسى، كما أن أفلامًا مثل تلك التي تناولت الأرجنتين كشفت تورط الأنظمة في اختطاف الأطفال خلال الديكتاتورية ومنها فيلم la historia oficial،  أو فيلم z اليوناني الذي صور اشتراك عملاء من أجهزة الأمن التابعة للطغمة العسكرية في اليونان بالاشتراك مع عناصر من اليمين المتطرف  في اغتيال أحد النواب اليونانيين اليساريين كل هذه الافلام  فتحت النقاش حول المسؤولية والعدالة.

سوريا بين صندوق الدنيا وضياع العدالة الانتقالية: 

في فيلم “صمت الآخرين” للمخرجين ألمودينا كاراسيدو وروبرت باهار، يتابع الفيلم على مدار ست سنوات نضال مجموعة من الضحايا الإسبان الذين يسعون لمقاضاة الجلادين السابقين في نظام فرانكو. ولأن القانون الإسباني يمنع ذلك، يتوجهون إلى الأرجنتين ضمن ما يعرف بالولاية القضائية العالمية.

ضمن شخصيات الفيلم تبرز ماريا مارتين، وهي امرأة تبحث عن رفات والدتها المدفونة في مقبرة جماعية، وأيضًا شخصية خوسيه ماريا، وهو رجل تعرض للتعذيب في السبعينات ويطالب بمحاكمة جلاده. يفضح الفيلم التقصير المؤسسي لدى الحكومة الإسبانية، التي لم تتبن عدالة انتقالية بل سحبت ملف الجرائم من التداول القانوني والإعلامي والسياسي.

وعند إسقاط الفيلم على السياق السوري، فإن الفيلم يشكل مرآة لما يحدث في سوريا من تغييب العدالة والتذرع بالاستقرار. في سوريا، حيث تُغزل الشعارات كما يُغزل السجاد اليدوي، تظهر العدالة الانتقالية كمشروع ضخم يحمل اسمًا جميلًا، لكنه معلب في صندوق قديم اسمه “الهردبشت”. ولمن لا يعرف، فـ”الهردبشت” هي كلمة شامية تصف التكدس العشوائي للملابس والأغراض في زاوية الغرفة دون نظام أو غاية، تفتحها فتنهال عليك المفاجآت: جورب وحيد، صورة ممزقة، وكف من الماضي. وهكذا العدالة الانتقالية في المشهد السوري اليوم: ملف فوق ملف، ولجنة تقابل لجنة، ومؤتمرات تلاحق ورشات، وتوثيق يتكدس فوق توثيق، بينما المجرم يتقاعد، والضحية يُطلب منه التحلي بالصبر.

قد تبدو العدالة في سوريا مشهدًا من مسرح الدمى داخل صندوق الدنيا. الراوي يتكلم، الجمهور يصفق، والدمى تتحرك، لكن الحقيقة لا تخرج من الحكاية. في الختام، لن تحدث عدالة انتقالية حقيقية في سوريا قبل أن يُكسر الصمت، وتُكشف القبور، وتُفتح المعتقلات، ويُسمى القتلة بأسمائهم. فالعدالة الانتقالية في سوريا ليست قصة محكمة ولا خطة زمنية، إنها “هردبشت” مقدسة تحاول أن ترتب فوضى لا يريد أحد ترتيبها.

 

نحن هنا أيضاً: عن النساء والفئات المغيبة وسط صخب السياسة السورية

نحن هنا أيضاً: عن النساء والفئات المغيبة وسط صخب السياسة السورية

جيسيكا حموي

المركز الثالث

 

 

نحن هنا أيضاً: عن النساء والفئات المغيبة وسط صخب السياسة السورية

نحن هنا منذ الأزل، ولكن صوتنا لم يسمع بعد! 

إن جوهر الديمقراطية هو حرية الأفراد ومشاركتهم الكاملة في صنع القرار وليس مجرد انتخابات أو شعارات، ولا ننسى أن قوانين حقوق الإنسان تشدد على أن لكل فرد الحق في المشاركة السياسية والاجتماعية دون تمييز، وحرية التعبير، والعدالة. ولكن للأسف وسط صخب السياسة السورية، وعلو الضجيج وتنازع الأصوات فيما بينها وبناء النقاش السياسي على من يصرخ أكثر، هنالك الكثير من الأصوات تغفل وفئات كاملة تغيب عن المشهد: النساء، الأشخاص ذوي الإعاقة، الفقراء.

تاريخ التهميش للنساء في سوريا: 

مع أن سوريا كانت من أوائل البلدان العربية التي أعطت حق الانتخاب للنساء ولكن مازالت النساء تواجهن قيوداً اجتماعية وثقافية، وسيادة الثقافة الذكورية التي تمنعها من الوصول إلى مراكز صنع القرار والمشاركة الفعلية، لذلك ظل التمثيل السياسي للنساء محدوداً ذو طابع رمزي وشكلي حتى الفترة الحديثة. على سبيل المثال: إن نسبة مشاركة المرأة في مجلس الشعب السوري لم تتجاوز 12.8% على مدار السنوات وإن هذه النسبة انخفضت في عام 2024 إلى 9.6%، على خلاف دولة الإمارات العربية المتحدة التي وصلت فيها نسبة التمثيل النسائي في المجلس الوطني الاتحادي إلى 50% بفضل الكوتا، بينما في سوريا لا توجد كوتا نسائية برلمانية على الرغم من كونها أداة فعالة لدعم النساء. ويرجع ضعف المشاركة السياسية للمرأة أولاً، إلى النظرة النمطية للمرأة حيث يتم ربط دور المرأة فقط بالأعمال المنزلية والرعائية. ثانياً، بعض النخب تبرر أن عالم السياسة غير مناسب لطبيعة شخصية النساء وهذا يدل على تمييز واضح ضدهن واخضاعهن للترتيب الجندري الأبوي. في هذه النقطة بالذات، نجد هنا مثال يخالف هذا التبرير ألا وهو وصول النساء إلى أعلى المناصب في دولة نيوزيلندا كاستلام جاسيندا أرديرن منصب رئيسة الوزراء بين عامي 2017و2023 وهو أكبر برهان على قدرة النساء لاستلام مناصب سيادية. وبناءً على ما سبق من ضعف التمثيل وتهميش المرأة، أصبح من الضروري تعزيز دور المرأة وتمكينها سياسياً واجتماعياً، ويجب أن يتجسد هذا التمكين عن طرق إشراك النساء في لجان صياغة القوانين وآليات العدالة الانتقالية واللجان المحلية والسلم الأهلي وتخصيص كوتا برلمانية نسائية لهن لا تقل عن نسبة 35% ومعرفة احتياجاتهن والتحديات التي يواجهنها وتمكينهن من كافة الجوانب.

دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في صنع القرار:

إن هذه الفئة بالذات عانت من التهميش والإغفال لسنوات عديدة، حيث كان ينظر لهم على أنهم أشخاص متلقين للرعاية وليس على أنهم مواطنين يتمتعون بحقوق كاملة. ولكن لا يمكن فصل قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة عن منظومة حقوق الإنسان، فالأمم المتحدة أصدرت اتفاقية تتعلق بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة عام 2006 تؤكد فيها أنهم ليسوا خارج دائرة الحقوق، بل في صلبها، فحقوقهم جزء أساسي من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كالحق في التعليم أو العمل أو السكن ويجب أن تضمن حقوقهم دون تمييز أو إقصاء وتشترط الاتفاقية سهولة التنقل وإمكانية الوصول إلى المعلومات والخدمات والإجراءات لضمان تمتعهم بحقوقهم الكاملة. وعلى الرغم من توقيع ومصادقة سوريا على هذه الاتفاقية في عام 2007، إلا أن الممارسة على الأرض تختلف عن نصوص الاتفاقية، مما يبقي هذه الفئة خارج دائرة التمثيل السياسي والاجتماعي. بحسب تقارير صادرة عن منظمات الأمم المتحدة فإن نسبة الأشخاص ذوي الإعاقة في سوريا ما يقارب 28%، أي ما يقرب من ضعف المعدل العالمي، بسبب إصابات الحرب ونقص الوصول إلى الرعاية الصحية والخدمات الأساسية. الفكرة هنا أن التمثيل السياسي هو عمل فكري أكثر من كونه عمل جسدي، حيث أن الإعاقة الجسدية لا تقف في طريق اتخاذ قرارات سليمة فالعمل السياسي هو إرادة وكفاءة. وأقوى مثال على ذلك؛ جيم لانغيفين أول نائب أميركي يستخدم كرسياً متحركاً داخل الكونغرس، وكرس مسيرته للدفاع عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. ففي ظل غياب هؤلاء الأشخاص داخل الحياة السياسية والاجتماعية السورية، أصبح من الضروري التفكير بحلول ملموسة تحدث توازناً وتسعى لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة، وأحد أبرز الحلول هو إقرار أيضاً كوتا سياسية للأشخاص ذوي الإعاقة بنسبة لا تقل عن 8% لتمكنهم من الوصول القانوني للترشح عبر تبسيط الإجراءات الإدارية، وضمان تمثيلهم ضمن هيئات انتقالية في مراحل إعادة بناء الدولة، وإدراج قضاياهم في المناهج التعليمية، ودعم الإعلاميين والإعلاميات والناشطين والناشطات من ذوي الإعاقة ومنحهم مساحة لإظهار رؤيتهم في السياسات العامة، بالإضافة إلى تهيئة المراكز والمؤسسات والطرقات العامة لتكون مناسبة للأشخاص ذوي الإعاقة. ومن هنا نؤكد أن الدمج السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي للأشخاص ذوي الإعاقة ليس أمراً رمزيًا، بل ضرورة ديمقراطية تدل على العدالة والمساواة. وحتى إن استطاعت الكثير من الدول نقل هؤلاء الأشخاص من الهامش في المجتمع إلى مركز القرار، فإن سوريا تحتاج لخطوة أولى بهذا الاتجاه لكسر الصمت، وتفتح الطريق نحو دولة حديثة تراعي حقوق الجميع دون استثناء.

حين يكون الفقر حاجزاً ايضاً: 

تعتبر قساوة الظروف الاقتصادية في سوريا العائق الأكبر أمام انخراط الفقراء في الحياة السياسية. فإن معظم السكان بما يقارب 90% تحت خط الفقر، وتكشف التقديرات أن قرابة 5.7 ملايين سوري يعيشون في فقر مدقع، وحوالي 16.7 مليون شخص بحاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية ويعود ازدياد نسبة الفقر في سوريا إلى حدوث النزاع المسلح في الداخل، مما أدى إلى تدمير البنية التحتية والخدمات الأساسية مثل التعليم والكهرباء والصرف الصحي، وهذا ما زاد من معاناتهم فاتجهوا لتخصيص وقتهم وجهدهم لتأمين احتياجاتهم الأساسية كتأمين الغذاء والدواء والمأوى لأن نصفهم دمر منزله بسبب النزاع. واعتبارهم أن البقاء على قيد الحياة هو الأولوية بالنسبة لهم، ما يحد من انخراطهم بشكل كبير في عالم القضايا السياسية والاجتماعية، ويقيد فرصهم في تطوير مهاراتهم أو التعبير عن رؤيتهم لأن الفقر ليس مجرد مشكلة اقتصادية بل عامل يحد من الفعل السياسي، والهيمنة الكاملة للنخب على المؤسسات السياسية، مما يؤدي إلى تهميش الفئات الأقل حظاً وعدم حصولهم على أي دور. إن إشراك الفقراء في الشأن العام لا يعد حقاً فقط بل خطوة فاعلة وفعالة نحو تعزيز الاستقرار الاجتماعي وتنشئة مسار تنموي عادل. من جملة الحلول التي يجب اتباعها لدمج الفقراء أكثر، تأمين فرص عمل مستدامة وحماية اجتماعية لهم، إنشاء برامج توعية وتعليم لزيادة الوعي السياسي لديهم وتوفير الدعم اللازم لهم، ربط التنمية الاقتصادية بالتمكين السياسي من خلال دعم المشاريع الصغيرة، دعم منظمات المجتمع المدني وتعزيز الحوكمة الرشيدة لخلق بيئة تمكينية للجميع. إن الوصول إلى العدالة السياسية لا يحدث إلا بتمكين الفقراء، فصوتهم ليس ترفاً بل حاجة ضرورية لبناء دولة تعتمد على الشمولية وتكافؤ الفرص للجميع.

في النهاية، لن تبنى سوريا إلا إذا ضمنت مشاركة شاملة لكل فئاتها، خصوصاً النساء، الأشخاص ذوي الإعاقة، والفقراء.

إنها مسؤوليتنا جميعاً، فلنعمل معاً على رفع صوتهم، لأن العدل وتكافؤ الفرص والشمولية هو أساس السلام والتنمية، ولن يكون هناك سلام أو تقدم دون مجتمع يتنفس الحرية ويحترم التنوع ويعزز ثقافة الحوار. وهنا يكمن دورنا أن نبني وطناً يشمل الجميع دون تمييز، دون استثناء.

 

المراجع:

 

  1. United Nations Development Programme. (2021). Disability inclusion Programme in Syria. https://www.undp.org/syria/publications/undp-syria-disability-inclusion-programme
  1. Dubai Women Establishment. (2019). 50% female representation in the Federal National Council. https://dwe.gov.ae/dwe-initiatives/50-female-representation-federal-national-council
  1. United Nations Development Programme. (2025). The socioeconomic impact of the conflict in Syria. https://www.undp.org/ar/arab-states/press-releases/tsry-wtyrt-altafy-alaqtsady-amrun-hasm-alahmyt-lks-tdhwr-alawda-fy-swrya-wastadt-alastqrar
  1. United Nations. (2024). Syria humanitarian situation report. https://syria.un.org/en/download/180806/291750
  1. World Bank. (2025). Syrian Arab Republic – Gender Data Portal. https://liveprod.worldbank.org/en/economies/syrian-arab-republic

 

دماء ديسمبر وآمال الديمقراطية :سوريا في مفترق التاريخ

دماء ديسمبر وآمال الديمقراطية :سوريا في مفترق التاريخ

علي محمد عبد القادر

المركز الثالث

 

دماء ديسمبر وآمال الديمقراطية :سوريا في مفترق التاريخ

 

في مثل هذا اليوم من عام 2024، توقف السوريون عند لحظة فارقة في تاريخهم؛ لحظة امتزج فيها الحزن بالفخر، والدمع بالأمل. مرّت أربعة عشر عامًا على بداية الثورة، سنوات حملت معها الكثير من الألم والدماء والدمار، لكنها في الوقت ذاته حملت بذور التغيير. رغم كل ذلك، لا تزال الأسئلة قائمة: هل ما وصلنا إليه يُعد نصرًا؟ أم أننا نعيش مرحلة انتظار طويلة لتحقيق ديمقراطية حقيقية تحفظ كرامة الإنسان السوري، وتؤسس لحكم عادل يراعي القانون ويضمن التغيير السلمي للسلطة؟

 

لا شك أن الإرث الثقيل الذي خلّفه النظام السابق لا يزال يرخي بظلاله على الواقع؛ لكن من قال إن التغيير مستحيل؟ بالإرادة، والتخطيط السليم، والعمل الجاد، يمكن فتح طريق جديد، شرط أن نواجه تحديات الحاضر بوعي وصدق، ونضع مصالح البلاد فوق أي انتماءات ضيقة.

 

التعتيم السياسي في العهد السابق

 

عانت البلاد، منذ منتصف القرن العشرين، من قيود صارمة على الحياة السياسية جعلتها حكراً على أشخاص مقربين من السلطة. دفع ذلك السياسيين، على وجه الخصوص، وعامة الشعب إلى اتباع سياسة النأي بالرأي، أو الهرب خارج البلاد سعياً لنيل حرية التعبير. الأمر الذي فرض على الشارع السوري تأييد الثورة التي انطلقت شرارتها في منتصف آذار 2011، والتي صرخت بوجه الظلم والاستبداد. وبمشهد غير مسبوق، اتبع النظام أسوأ أنواع القمع والقتل الممنهج، وبمراحل متقدمة استعان بقوى داخلية وخارجية لإخماد هذه الانتفاضة، مما حول البلاد إلى ساحة حرب متعددة الأطراف.

 

معوقات تحقيق الديمقراطية ما بعد التحرير

 

لا يمكننا إنكار أن الحالة التي تعاني منها البلاد في الوقت الحالي بعد التحرير تخلق عثرات وتضع حواجز عديدة أمام تحقيق الديمقراطية المنشودة، ومنها:

 

  1. انقسام المجتمع السوري: تركت الحرب الطويلة خلفها مظاهر مؤلمة مثل التطهير العرقي، وانتشار فيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي قائمة على أساس احتقار ديني أو مناطقي، مما خلق شرخًا كبيرًا في النسيج المجتمعي السوري. هذا يضع الحكومة الحالية في مأزق كبير عند طرح فكرة تحقيق التقارب المجتمعي مجددًا والقبول بفكرة التشاركية.

 

  1. الضعف أو الانهيار المؤسساتي: تعاني البلاد من حالة دمار في البنية التحتية، وخاصة مؤسسات الدولة، نتيجة القصف المستمر والعشوائي الذي شنّه النظام السابق، إضافةً إلى تراكم مظاهر الفساد ضمن أروقة مؤسساته، وتسليم مناصب لأشخاص غير أكفاء، مما ساهم بوضع هذه المؤسسات في حالة يرثى لها.

 

  1. التدخل الخارجي في الشأن السوري: لا تزال التدخلات الإقليمية والدولية في الداخل السوري قائمة وبشكل عميق في بعض الأحيان، مما يجعل تطبيق الديمقراطية عملية معقدة ذات أبعاد متعددة.

 

تطبيق الديمقراطية المرتقبة ما بعد التحرير

 

إذا أردنا التحدث عن تحقيق نموذج ديمقراطي متكامل، يجب أن نستند إلى ركائز أساسية لتحقيق هذا الهدف، منها:

 

  1. وضع دستور شامل يمثل جميع السوريين: لا يمكن الحديث عن تطبيق الديمقراطية دون تنظيم عقد اجتماعي عصري يراعي ويحترم جميع المواطنين، بغض النظر عن خلفياتهم وانتماءاتهم الدينية والعرقية والقومية، وضمان مشاركتهم الفعالة في كتابة هذا الدستور بشكل عادل.

 

  1. العدالة الانتقالية: من الملفات الحساسة والمهمة التي لا يجب إغفالها؛ فمن الضروري فتح ملفات الانتهاكات الجسيمة التي حدثت، ومعاقبة المجرمين، وضمان عدم إفلات المتورطين من العقاب عند ثبوت إدانتهم بأدلة قاطعة.

 

  1. إعادة بناء مؤسسات الدولة: العمل بالطاقة القصوى وتسخير كافة الإمكانيات والخبرات لإعادة بناء هيكلية دولة سليمة قائمة على مؤسسات عادلة، أهمها القضاء، والتعليم، والإعلام، والتي تلغي فكرة تمجيد الأفراد وتغرس روح المواطنة والتشاركية.

 

  1. إجراء انتخابات حرة ونزيهة: لضمان انتقال سياسي عادل للسلطة، يجب إجراء انتخابات شفافة، مع مراقبة دولية، تتيح للشعب اختيار ممثليه بحرية مطلقة.

 

الاستعانة بتجارب دول أخرى

 

نتيجة للتجارب السابقة التي خاضتها دول أخرى في مجال تحقيق الديمقراطية، مثل التجربة التونسية التي وضعت دستورًا توافقياً وأجرت انتخابات نزيهة رغم بعض العثرات، وتجربة جنوب أفريقيا التي تجاوزت مرحلة الفصل العنصري من خلال مصالحة وطنية، كان من الواجب على الحكومة السورية الاستئناس بهذه الخبرات لتعزيز فرص تطبيق الديمقراطية.

 

إحصائيات داعمة:

 

تشير تقارير من مركز بيو للأبحاث إلى أن نسبة الثقة في المؤسسات الحكومية في سوريا لا تتجاوز 15%، مما يبرز حجم التحدي في إعادة بناء الثقة المجتمعية.

 

وفقًا لـ تقارير الأمم المتحدة، فإن أكثر من 6 ملايين سوري لاجئ في الخارج منذ بداية الأزمة، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على التوازن الاجتماعي والسياسي داخل البلاد.

 

في استطلاعات رأي محلية، أعرب أكثر من 70% من السوريين عن رغبتهم في نظام ديمقراطي قائم على العدالة وسيادة القانون.

 

هل تطبيق الديمقراطية في سوريا أمر واقع أم سراب؟

 

لا نستطيع إنكار أن الوضع الراهن محفوف بالمخاطر والمصاعب، ومليء بالعثرات، لكنه ليس مستحيلاً. يتطلب الأمر تكاتف المجتمع، واختيار قيادات تعمل بجد لترسيخ الديمقراطية، وإزالة العقبات التي تعترض هذا الطريق.

هل يمكن للعدالة الانتقالية في السياق السوري أن تُصلح ما أفسده الاستبداد؟

هل يمكن للعدالة الانتقالية في السياق السوري أن تُصلح ما أفسده الاستبداد؟

رحاب شريباتي

المركزالثاني

 

هل يمكن للعدالة الانتقالية في السياق السوري أن تُصلح ما أفسده الاستبداد؟

في لحظات التحوّل الكبرى التي تعقب سقوط أنظمة الاستبداد، يبرز سؤالٌ محوري: هل تكفي العدالة لترميم ما تهشّم؟ 

وفي الحالة السورية المعقدة، حيث تعددت أشكال الانتهاكات والقمع والتهميش واستمرت لعقود من الزمن، أصبحت العدالة الانتقالية ليست مجرّد خيار، بل ضرورة وجودية، وعلى سطح الألم السوري تطفوا عدة أسئلة حول العدالة، هل تستطيع هذه العدالة، بأدواتها و آلياتها، أن تعيد للمجتمع توازنه، وأن تبني مستقبله على أنقاض ماضيه الجريح؟  وبطريقة أخرى هل يمكن للعدالة الانتقالية أن تصلح ما أفسده الاستبداد؟

العدالة الانتقالية هي مسار سياسي قانوني يسعى إلى معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بعد فترات النزاع أو الحكومات الاستبدادية، وتشير معظم تجارب الدول إلى أن العدالة الانتقالية ليست حلاً سحرياً، لكنها إطار شامل يسعى إلى ضمان عدم تكرار الانتهاكات، عبر كشف الحقيقة، جبر الضرر، محاسبة الجناة، وإصلاح المؤسسات. وقد اعتمدها مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة كوسيلة لإرساء السلام وتعزيز المصالحة في المجتمعات الخارجة من أزمنة العنف والقهر.

في هذا السياق، يشدد تقرير “مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان” على أن العدالة الانتقالية تتطلب تصميماً يراعي الخصوصيات المحلية من جهة، و يستند إلى معايير حقوق الإنسان العالمية من جهة أخرى.

بالعودة إلى السياق السوري، حيث توغلت السلطات الأمنية في كل تفاصيل الحياة، وتحول القضاء إلى أداة للترهيب، تصبح المساءلة حجر الزاوية في تحقيق العدالة، فحسب “اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق بشأن سوريا”، فإن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان تشمل الاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب، وصولاً إلى استخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين.

بناءً على ما سبق العدالة الانتقالية في سوريا تتجاوز فكرة المحاكمات الشكلية، ولكي تكون فعّالة، يجب أن تنطلق من رؤية تكاملية بين المساءلة القانونية والإصلاح الاجتماعي والمؤسساتي وبناء الثقة داخل المجتمع. المحاسبة دون اعتراف مجتمعي بالمسؤولية الأخلاقية والسياسية قد تُبقي جذور الاستبداد حية. والاقتصار على التعويضات المادية دون إصلاح مؤسسات الأمن والقضاء قد يُعيد إنتاج الانتهاك في ثوب جديد. فالعدالة الانتقالية في جوهرها لا تهدف للثأر بل إلى الترميم – ترميم الثقة، والمؤسسات، والذاكرة الجمعية.

و نقل تجارب عالمية مثل جنوب إفريقيا أو تشيلي إلى الحالة السورية قد يكون غير منصف. فالسياق السوري مركّب، تداخلت فيه سلطات استبدادية، وانتهاكات من أطراف متعددة، وتدخلات أجنبية، وغياب شبه تام للمؤسسات القضائية المستقلة. لذا، ثمة حاجة ملحّة إلى نموذج عدالة سوري، يُصمَّم على مقاس الوجع السوري، ويقوم على إشراك الضحايا والناجين في تحديد أولوياته وآلياته.

 

لكن، هل هذا ممكن دون سياق سياسي داعم؟ في الواقع إن العدالة الانتقالية لا تزدهر من فراغ. بل تكون نتاج بيئة سياسية تتوفر فيها الإرادة السياسية والمشاركة المجتمعية. وهذا ما يجعل طرح نموذج سوري خاص، غير مستنسخ من تجارب الآخرين، مسألة حيوية. وابتكار نموذج سوري خاص  يدمج بين المطالبة بالحقوق، ومراعاة تعقيدات الحالة، والاعتراف بتنوع المجتمع السوري وتطلعاته.

وهذا لا يمنع أن نتعلم من تجارب التاريخ أن السلام لا يقوم على النسيان، بل على الذاكرة النشطة والاعتراف. فهل نحن، كسوريين، مستعدون للبدء من هذا الاعتراف؟ وهل تملك قوى التغيير والمجتمع المدني أدوات كافية لفرض نموذج عدالة يحترم خصوصية السياق؟

ختاماً، إن العدالة الانتقالية ليست عصاً سحرية تُصلح كل ما أفسده الاستبداد، لكنها البوصلة العملية للخروج من نفقه ولعلّ أعظم ما يمكن أن تقدمه إذا ما صُمِّمت بأيدٍ سورية، وبإرادة لا تساوم على الحقيقة، هو أن تفتح الباب لمستقبل جديد، يُبنى على الحقيقة لا الإنكار، وعلى الاعتراف لا النسيان، وعلى المحاسبة لا الإفلات من العقاب. ففي العدالة، يبدأ السوريون كتابة روايتهم بأنفسهم، رواية لا يكتبها الجلادون.

 

                                                                                                                                          رحاب شريباتي

 

________________________________________________________________________

دور المرأة السورية التاريخية وتحديات المشاركة السياسية واالجتماعية

دور المرأة السورية التاريخية وتحديات المشاركة السياسية واالجتماعية
ملك دبيس
المركز الأول

المقدمة
تُعد المرأة السورية رم ًزا للعطاء والصمود عبر التاريخ، إذ لعبت أدوا ًرا محورية في مختلف مراحل تطور
المجتمع السوري. لم تقتصر مساهمتها على الجوانب االجتماعية واالقتصادية فحسب، بل امتدت لتشمل الحياة
ا صعبة وتحديات عدة فرضتها العادات والتقاليد والسياسات. يتناول هذا

السياسية والثقافية، متحدية بذلك ظروفً
المقال دور المرأة السورية التاريخي وتحديات الحاضر التي تعرقل مشاركتها الفاعلة، مستندًا إلى شواهد
تاريخية وبراهين علمية.
ا من أهمية هذه القضية، سنتناول في هذا المقال بشكل تفصيلي أبرز المحطات التاريخية التي عكست
وانطالقً
دور المرأة السورية، ثم نسلط الضوء على التحديات التي تواجهها في الوقت الراهن، مع االستشهاد بأدلة
وبراهين علمية تدعم هذه الرؤية:
-1 المرأة السورية في التاريخ القديم
برزت المرأة السورية منذ العصور القديمة كقوة فاعلة في المجتمع. فقد مثلت اإللهة عشتار في الحضارات
السورية القديمة رم ًزا للخصوبة والحرب، بينما ظهرت الملكة زنوبيا ملكة تدمر )240–274م( كأيقونة
سياسية، قادت تمر ًدا واسعًا ضد اإلمبراطورية الرومانية، مثبتة قدرتها على قيادة دولة قوية ومزدهرة )عبده،
،2005 ص. 55(.
-2 المرأة السورية في العصر اإلسالمي
مع بزوغ اإلسالم، استمرت المرأة السورية في المشاركة العامة، حيث لعبت دو ًرا في نشر القيم اإلسالمية
والمشاركة في الحياة االجتماعية والسياسية. نذكر هنا أسماء بنت يزيد األنصارية التي عُرفت بخطابتها وجرأتها
في الحوار مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وفاطمة بنت عبد الملك التي كان لها دور مهم في تعزيز مكانة الدولة األموية
)سليم، ،2010 ص. 112(.
-3 المرأة السورية في النضال الوطني
في مطلع القرن العشرين، شاركت المرأة السورية في الحراك الوطني ضد االحتالل الفرنسي، فكانت نازك
العابد نموذ ًجا للمرأة المقاومة، إذ أسست جمعية نور الفيحاء وساهمت في التمريض ومساعدة الجرحى. وقد
سجلت المرأة السورية حضو ًرا قويًا في المظاهرات الشعبية، ما أسهم في تسريع عملية االستقالل )سليمان،
،2018 ص. 78(.
-4 تطور المشاركة السياسية واالجتماعية
منذ منتصف القرن العشرين، بدأت المرأة السورية تطالب بحقوقها السياسية والمدنية. حصلت على حق
التصويت والترشح للبرلمان في خمسينيات القرن الماضي، وشاركت في وضع السياسات االقتصادية
واالجتماعية. اليوم، تحتل المرأة السورية نحو %15 من مقاعد البرلمان، وتشغل مناصب وزارية ودبلوماسية
ومواقع قيادية في النقابات )برنامج األمم المتحدة اإلنمائي، 2022(.
-5 التحديات التي تواجهها المرأة السورية
على الرغم من هذه اإلنجازات، تواجه المرأة السورية تحديات عديدة أبرزها:
التمييز القانوني، مثل بعض نصوص قوانين األحوال الشخصية.
ضعف تمثيلها في مواقع صنع القرار.
استمرار العنف القائم على النوع االجتماعي.

2
نقص برامج التدريب والتأهيل لدعم قدراتها القيادية.
هذه التحديات تُضعف من فرص مشاركة المرأة السورية الفاعلة في بناء الدولة والمجتمع.
-6 مبادرات دعم وتمكين المرأة
استجابة لهذه التحديات، شهدت السنوات األخيرة مبادرات عدة، مثل حمالت تعديل القوانين التمييزية، وتوفير
برامج حكومية ومنظمات مجتمع مدني تعزز مهارات المرأة وتدعم وصولها إلى مواقع القرار. وقد نص دستور
عام 2012 على ضمان حقوق المرأة والمساواة مع الرجل، وهو ما يشكل أرضية قانونية مهمة لتعزيز دورها
)الدستور السوري، ،2012 المادة 23(.
الخاتمة
ختا ًما، يتضح أن المرأة السورية حاضرة بقوة في التاريخ والحاضر، إذ ساهمت في صياغة مسارات الدولة
والمجتمع رغم ما واجهته من تحديات. إن دعم المرأة وتمكينها في مختلف المجاالت هو ضرورة وطنية، يساهم
في تحقيق مجتمع متوازن تسوده المساواة والعدالة. كما أن االستمرار في إصالح القوانين والسياسات، وتوفير
بيئة داعمة تشجع مشاركتها الفاعلة، يمثالن حجر الزاوية لبناء مستقبل أفضل لسوريا ولجميع أبنائها.
المراجع:
عبده، محمد )2005(. المرأة في حضارات الشرق القديم. دمشق: دار الفكر.
سليم، هالة )2010(. دور المرأة المسلمة في الحياة العامة. بيروت: دار المعرفة.
سليمان، ليلى )2018(. المرأة السورية في الحراك الوطني. دمشق: دار الرضا.
الدستور السوري )2012(. الجريدة الرسمية للجمهورية العربية السورية.
برنامج األمم المتحدة اإلنمائي )2022(. تقرير التنمية البشرية في سوريا.

ملتقى ثقافة اللاعنف في درعا: نحو حوار يعزز التسامح

نظّمت منظمة مارس للتنمية المجتمعية، بالتعاون مع فريق شباب حوران وجامعة دمشق – فرع درعا (كلية التربية)، ملتقى ثقافياً بعنوان “ثقافة اللاعنف”، وذلك ضمن إطار مشروع “ضدّف”. شهد الملتقى محاضرة بحثية وإنسانية قدّمها الدكتور محمد العمار بعنوان “اللاعنف: ضرورات الحاضر، وخبرة التاريخ، وفلسفة الدين”، حيث ناقش خلالها أهمية الحوار كقيمة إنسانية، ودور التاريخ والفكر الديني في تعزيز مفهوم اللاعنف. ويأتي هذا النشاط استمراراً لجهود منظمة مارس وشركائها في نشر ثقافة الحوار وترسيخ قيم التسامح ونبذ العنف في المجتمع.