كيف يُعاد بناء المجتمع السوري حين تتصدع الذاكرة ؟

بقلم: سونير طالب
……………………..

لم تعد سوريا تعيش مجرد تبعات حرب طويلة، بل تواجه لحظة تاريخية دقيقة تتعلق بإعادة تعريف ذاتها كمجتمع، لا ككيان سياسي فحسب. فبعد سنوات من العنف والانقسام، لم يعد التحدي الأكبر محصوراً في إعادة إعمار المدن أو ترميم المؤسسات، بل في معالجة ما هو أعمق وأشد استعصاء: تفكك الذاكرة المشتركة التي كانت تشكّل الرابط غير المرئي بين السوريين، وتحول التجربة الجماعية إلى روايات متوازية، لكل منها سرديتها الخاصة، وأخلاقياتها الانتقائية، وحدودها النفسية التي يصعب اختراقها. في هذا السياق، يصبح الانقسام حالة ذهنية بقدر ما هو واقع اجتماعي، وتغدو إعادة بناء المجتمع مهمة فكرية وثقافية قبل أن تكون سياسية أو اقتصادية.

لقد أنتجت سنوات العنف الطويلة نمطاً جديداً من العيش السوري، حيث تعلّم الناس التأقلم مع الانفصال أكثر من السعي إلى تجاوزه، وصار الخوف من الآخر أقل كلفة من محاولة فهمه، وتحول الصمت إلى وسيلة للبقاء، لا إلى علامة حكمة. ومع مرور الوقت، ترسّخ هذا الانقسام في اللغة اليومية، وفي التربية، وفي الذاكرة العائلية، وفي صورة المستقبل نفسها، ما يجعل خطره مضاعفاً لأنه لم يعد مرتبطاً بلحظة استثنائية، بل صار جزءاً من البنية الاجتماعية العميقة. إن المجتمعات التي تتعايش طويلاً مع انقسامات غير معالجة لا تحتاج إلى شرارة كبيرة لتعود إلى العنف، بل يكفي أن تتبدل الظروف أو تتراجع الضوابط حتى يعود الماضي إلى الواجهة، ليس كذكرى بل كأداة تعبئة جديدة.

في هذا المشهد، يبرز السلم الأهلي بوصفه الإطار الوحيد القادر على منع الانقسام من التحول إلى مصير دائم، لا باعتباره شعاراً سياسياً أو مطلباً أخلاقياً مجرداً، بل كسياسة اجتماعية يومية تُمارس في تفاصيل الحياة الصغيرة. فالدولة، مهما ضعفت أو قويت، يمكن أن تستمر بالحد الأدنى من الأداء، لكن المجتمع إذا انهارت الثقة داخله يصبح عاجزاً عن إنتاج الاستقرار، مهما بلغت قوة المؤسسات. ولعل الإشكالية الأعمق في التجربة السورية أن مفهوم السلم الأهلي جرى تداوله كثيراً من دون أن يتحول إلى مسار عملي منظم، فصار يُستحضر عند الحاجة الخطابية، ويُغيب حين تتطلب اللحظة شجاعة الاعتراف أو تحمل كلفة الحوار، بينما السلم الحقيقي لا يقوم على إلغاء الذاكرة ولا على تسويتها أخلاقياً، بل على إعادة تنظيمها ضمن إطار يسمح بالتعايش دون إنكار، وبالاختلاف دون عداء.

إن إعادة بناء المجتمع السوري تقتضي الانتقال من منطق إدارة آثار العنف إلى منطق بناء معنى جديد للعيش المشترك، وهو انتقال لا يمكن أن يتم من خلال قرارات مركزية أو اتفاقات سياسية، بل عبر استعادة المجال الاجتماعي الذي تفكك خلال السنوات الماضية.

من هنا، تبرز الحاجة إلى مبادرات مجتمعية طويلة الأمد، غير مسيّسة في ظاهرها، عميقة في أثرها، تقوم على خلق مساحات أمان محلية تُدار فيها الذاكرة بوصفها مسؤولية لا عبئاً، ويُعاد فيها تعريف الآخر بوصفه شريكاً في الخسارة لا خصماً في الرواية. ويمكن لهذه المبادرات أن تتخذ أشكالاً متعددة، تبدأ بدوائر حوار صغيرة غير إعلامية يقودها مختصون في علم الاجتماع والنفس، وتمرّ بمشاريع خدمية وتنموية مشتركة تعيد ربط الناس بالفعل قبل الخطاب، ولا تنتهي عند برامج دعم نفسي جماعي تعالج الصدمة التي تحولت إلى سلوك اجتماعي مكتوم، إضافة إلى ضرورة إنتاج سرديات إعلامية جديدة تُبرز قصص التعاون والنجاة المشتركة، وتكسر احتكار الألم من قبل طرف واحد، وتُعيد الإنسان إلى مركز الحكاية السورية بعد أن اختطفته السياسة.

إن أهمية هذه المقاربة لا تكمن فقط في قدرتها على تخفيف التوتر، بل في كونها تخلق شروط الاستقرار المستدام، لأنها تُعيد بناء الثقة ببطء، وبدون صدام، ومن دون أن تُحوّل العدالة إلى أداة انتقام أو السلم إلى غطاء للنسيان. فالتجارب الدولية تُظهر أن المجتمعات التي استثمرت في المسارات الاجتماعية قبل السياسية كانت أكثر قدرة على الصمود أمام الانتكاسات، لأن النسيج الاجتماعي يصبح خط الدفاع الأول ضد العودة إلى العنف، لا المؤسسات وحدها. وفي الحالة السورية، حيث لا تزال السياسة ساحة مفتوحة على الاحتمالات، يصبح المجتمع هو الضامن الوحيد لعدم انهيار ما تبقى من إمكانية العيش المشترك.

في النهاية، لا يُقاس مستقبل سوريا بما سيُعاد بناؤه من مدن أو طرق أو مؤسسات، بل بما سيُعاد ترميمه في العلاقة بين الناس، وفي قدرتهم على إعادة النظر في ذاكرتهم دون أن تتحول إلى محكمة دائمة، وعلى اختلافهم دون أن يصير مشروع إقصاء، وعلى اعترافهم المتبادل بالخسارة دون تحويلها إلى مبرر للقطيعة. فالسلم الأهلي ليس محطة تُعلن، بل مسار يُبنى كل يوم، وفي الحالة السورية، يبدو هذا المسار هو الخيار الوحيد المتاح أمام مجتمع أنهكه الانقسام، لكنه لم يفقد بعد قدرته على إعادة اكتشاف نفسه.